الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٤٢ - أحرج ساعة في حياة الرسول
و كانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عمل التطويق في بدايته، و في مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب، و غيرهم رضي اللّه عنهم كانوا في مقدمة المقاتلين، فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة- عليه الصلاة و السلام و التحية- صاروا في مقدمة المدافعين.
احتدام القتال حول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
و بينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق، تطحن بين شقي رحى المشركين، كان العراك محتدما حول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد ذكرنا أن المشركين لما بدءوا عمل التطويق لم يكن مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلا تسعة نفر، فلما نادى المسلمين: هلم إليّ، أنا رسول اللّه، سمع صوته المشركون و عرفوه، فكروا إليه و هاجموه، و مالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين، فجرى بين المشركين و بين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف، ظهرت فيه نوادر الحب و التفاني و البسالة و البطولة.
روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار و رجلين من قريش، فلما رهقوه قال: «من يردهم عنا و له الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لصاحبيه- أي القرشيين- «ما أنصفنا أصحابنا [١]».
و كان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السكن، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط [٢].
أحرج ساعة في حياة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)
و بعد سقوط ابن السكن بقي الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) في القرشيين فقط، ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال: لم يبق مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة بن عبيد اللّه و سعد بن أبي وقاص [٣] و كانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)،
[١] صحيح مسلم، باب غزوة أحد ٢/ ١٠٧.
[٢] و بعد لحظة فاءت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فئة من المسلمين فأجهضوا الكفار عن عمارة، و أدنوه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فوسده قدمه، فمات و خده على قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). (ابن هشام ٢/ ٨١).
[٣] صحيح البخاري ١/ ٥٢٧، ٢/ ٥٨١.