الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٤٥ - كمال النفس و مكارم الأخلاق
اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، و ما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللّه فينتقم للّه بها [١]، و كان أبعد الناس غضبا، و أسرعهم رضا.
و كان من صفة الجود و الكرم على ما لا يقادر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس: كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أجود الناس، و أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، و كان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أجود بالخير من الريح المرسلة [٢]. و قال جابر. ما سئل شيئا قط فقال: لا [٣].
و كان من الشجاعة و النجدة و البأس بالمكان الذي لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، و فر عنه الكماة و الأبطال غير مرة، و هو ثابت لا يبرح، و مقبل لا يدبر، و لا يتزحزح، و ما شجاع إلا و قد أحصيت له فرة، و حفظت عنه جولة سواه، قال علي: كنا إذا حمي البأس و احمرت الحدق اتقينا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه [٤]. قال أنس: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) راجعا، و قد سبقهم إلى الصوت، و هو على فرس لأبي طلحة عرى، في عنقه السيف، و هو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا [٥].
و كان أشد الناس حياء و إغضاء، قال أبو سعيد الخدري: كان أشد حياء من العذراء في خدرها، و إذا كره شيئا عرف في وجهه [٦]، و كان لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، لا يشافه أحدا بما يكره حياء و كرم نفسه، و كان لا يسمي رجلا بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول: ما بال أقوام يصنعون كذا. و كان أحق الناس بقول الفرزدق:
يغضي حياء و يغضي من مهابته* * * فلا يكلم إلا حين يبتسم
و كان أعد الناس، و أعفهم، و أصدقهم لهجة، و أعظمهم أمانة، اعترف له بذلك محاوروه و أعداؤه، و كان يسمى قبل نبوته الأمين، و يتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام، روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، و لكن نكذب بما جئت به،
[١] صحيح البخاري ١/ ٥٠٣.
[٢] نفس المصدر ١/ ٥٠٢.
[٣] نفس المصدر ١/ ٥٠٢.
[٤] انظر الشفاء للقاضي عياض ١/ ٨٩ و مثل ذلك روى أصحاب الصحاح و السنن.
[٥] صحيح مسلم ٢/ ٢٥٢، و صحيح البخاري ١/ ٤٠٧.
[٦] صحيح البخاري ١/ ٥٠٤.