الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٩٠ - غزوة بني قريظة
فأرسل إلى سعد بن معاذ، و كان في المدينة، لم يخرج معهم؛ للجرح الذي كان أصاب أكحله في معركة الأحزاب، فأركب حمارا، و جاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فجعلوا يقولون و هم كنفيه: يا سعد، أجمل في مواليك فأحسن فيهم، فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد حكمك لتحسن فيهم، و هو ساكت لا يرجع إليهم شيئا، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألّا تأخذه في اللّه لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القوم.
و لما انتهى سعد إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال للصحابة: قوموا إلى سيدكم. فلما أنزلوه قالوا: يا سعد، إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك. قال: و حكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم.
قال: و على المسلمين؟ قالوا: نعم. قال: و على من هاهنا؟- و أعرض بوجهه، و أشار إلى ناحية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إجلالا له و تعظيما- قال: نعم و عليّ. قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، و تسبى الذرية، و تقسم الأموال، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبع سماوات».
و كان حكم سعد في غاية العدل و الإنصاف، فإن بني قريظة بالإضافة إلى ما ارتكبوا من الغدر الشنيع- كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفا و خمسمائة سيف، و ألفين من الرماح، و ثلاثمائة درع، و خمسمائة ترس و جحفة، حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم.
و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فحبست بني قريظة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، و حفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم أمر بهم فجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالا أرسالا، و تضرب في تلك الخنادق أعناقهم. فقال من كان بعد في الحبس لرئيسهم كعب بن أسد: ما تراه يصنع بنا؟ فقال: أ في كل موطن لا تعقلون أ ما ترون الداعي لا ينزع؟ و الذاهب منكم لا يرجع؟ هو و اللّه القتل. و كانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، فضربت أعناقهم.
و هكذا تم استئصال أفاعي الغدر و الخيانة، و الذين كانوا قد نقضوا الميثاق المؤكد، و عاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة كانوا يمرون بها في حياتهم- و كانوا قد صاروا بعملهم هذا من أكابر مجرمي الحروب الذين يستحقون المحاكمة و الإعدام-.
و قتل مع هؤلاء شيطان بني النضير، و أحد أكابر مجرمي معركة الأحزاب حيي بن