الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٨٨ - المجلس الاستشاري
حراجة موقف الجيش الإسلامي
أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو لا يزال في الطريق بوادي ذفران- خبر العير و النفير، و تأكد لديه بعد التدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال للاجتناب عن لقاء دام، و أنه لا بد من إقدام يا بنى على الشجاعة و البسالة، و الجراءة، و الجسارة، فمما لا شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيما لمكانة قريش العسكرية، و امتدادا لسلطانها السياسي، و إضعافا لكلمة المسلمين و توهينا لها، بل ربما تبقى الحركة الإسلامية بعد ذلك جسدا لا روح فيه، و يجرأ على الشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة.
و بعد هذا كله فهل يكون هناك أحد يضمن للمسلمين أن يمنع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة، حتى ينقل المعركة إلى أسوارها، و يغزو المسلمين في عقر دارهم.
كلا، فلو حدث من جيش المدينة نكول ما لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمين و سمعتهم.
المجلس الاستشاري
و نظرا إلى هذا التطور الخطير المفاجئ عقد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مجلسا عسكريا استشاريا أعلى، أشار فيه إلى الوضع الراهن، و تبادل فيه الرأي مع عامة جيشه، و قادته.
و حينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس، و خافوا اللقاء الدامي، و هم الذين قال اللّه فيهم كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ و أما قادة الجيش، فقام أبو بكر الصديق فقال و أحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال و أحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال:
«يا رسول اللّه، امض لما أراك اللّه فنحن معك، و اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه. فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خيرا و دعا له به.
و هؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، و هم أقلية في الجيش، فأحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يعرف رأي قادة الأنصار، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، و لأن ثقل