الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٦٧ - المؤاخاة بين المسلمين
و لم يكن المسجد موضعا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام و توجيهاته، و منتدى تلتقي و تتالف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية و حروبها، و قاعدة لإدارة جميع الشؤون و بث الانطلاقات، و برلمانا لعقد المجالس الاستشارية و التنفيذية.
و كان مع هذا كله دارا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار و لا مال و لا أهل و لا بنون.
و في أوائل الهجرة شرع الأذان، النغمة العلوية التي تدوي في الآفاق، كل يوم خمس مرات، و التي ترتج لها أنحاء عالم الوجود. و قصة رؤيا عبد اللّه بن زيد بن عبد ربه بهذا الصدد معروفة. رواها الترمذي و أبو داود و أحمد و ابن خزيمة [١].
المؤاخاة بين المسلمين:
و كما قام النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ببناء المسجد مركز التجمع و التالف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، و هو عمل المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار. قال ابن القيم: ثم آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين المهاجرين و الأنصار في دار أنس بن مالك، و كانوا تسعين رجلا، نصفهم من المهاجرين و نصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، و يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام، إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل اللّه عز و جل: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٧٥] رد التوارث، دون عقد الأخوة. و قد قيل إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية ... و الثبت الأول، و المهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام و أخوة الدار و قرابة النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار [٢] أ ه.
و معنى هذا الإخاء- كما قال محمد الغزالي- أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، و أن تسقط فوارق النسب و اللون و الوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته و تقواه.
و قد جعل الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) هذه الأخوة عقدا نافذا، لا لفظا فارغا، و عملا يرتبط بالدماء و الأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة و لا يقوم لها أثر.
[١] انظر بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ص ١٥.
[٢] زاد المعاد ٢/ ٥٦.