الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٢٨ - ٦- و قيل قبل الهجرة بسنة
أزهار السيرة النبوية- على صاحبها الصلاة و السلام و التحية- أرى أن أسجل بعضا منها بالإيجاز:
يرى القارئ في سورة الإسراء أن اللّه ذكر قصة الإسراء في آية واحدة فقط، ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود و جرائمهم، ثم نبههم بأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، فربما يظن القارئ أن الآيتين ليس بينهما ارتباط، و الأمر ليس كذلك، فإن اللّه تعالى يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس؛ لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية؛ لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم على هذا المنصب، و أن اللّه سينقل هذا المنصب فعلا إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة، من أمة ملأت تاريخها بالغدر و الخيانة و الإثم و العدوان، إلى أمة تتدفق بالبر و الخيرات، و لا يزال رسولها يتمتع بوحي القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم.
و لكن كيف تنتقل هذه القيادة، و الرسول يطوف في جبال مكة مطرودا بين الناس، هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى، و هي أن دورا من هذه الدعوة الإسلامية قد أوشك إلى النهاية و التمام، و سيبدأ دور آخر يختلف عن الأول في مجراه، و لذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر و وعيد شديد بالنسبة إلى المشركين وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء: ١٦] وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ، وَ كَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً [الإسراء:
١٧] و بجنب هذه الآيات آيات أخرى تبين للمسلمين قواعد الحضارة و بنودها و مبادئها التي يبتنى عليها مجتمعهم الإسلامي، كأنهم قد أووا إلى الأرض، تملكوا فيها أمورهم من جميع النواحي، و كونوا وحدة متماسكة تدور عليها رحى المجتمع، ففيه إشارة إلى أن الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) سيجد ملجأ و مأمنا يستقر فيه أمره، و يصير مركزا لبث دعوته في أرجاء الدنيا.
هذا سر من أسرار هذه الرحلة المباركة، يتصل ببحثنا، فاثرنا ذكره.
و لأجل هذه الحكمة و أمثالها نرى أن الإسراء إنما وقع إما قبيل بيعة العقبة الأولى أو بين العقبتين، و اللّه أعلم.