الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٣٨ - قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب
قال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، و أنا كفيل على قومي- يعني المسلمين- قالوا: نعم [١].
شيطان يكتشف المعاهدة
و لما تم إبرام المعاهدة، و كان القوم على وشك الانفضاض، اكتشفها أحد الشياطين، و حيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأخيرة، و لم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرا ليباغتوا المجتمعين و هم في الشعب، قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض، و صاح بأنفذ صوت سمع قط: يا أهل الأخاشب- المنازل- هل لكم في محمد و الصباة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «هذا أزب العقبة، أما و اللّه يا عدو اللّه لأتفرغن لك». ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم [٢].
استعداد الأنصار لضرب قريش
و عند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: و الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لم نؤمر بذلك، و لكن ارجعوا إلى رحالكم»، فرجعوا و ناموا حتى أصبحوا [٣].
قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب
و لما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل و الأحزان، لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة و نتائجها بالنسبة إلى أنفسهم و أموالهم، فما إن أصبحوا حتى توجه و فد كبير من زعماء مكة و أكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب، ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة. فقد قال:
يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، و تبايعونه على حربنا، و إنه و اللّه ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا و بينهم منكم [٤].
و لما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة، لأنها تمت في سرية تامة، و في ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون باللّه: ما كان من شيء، و ما علمناه،
[١] ابن هشام ١/ ٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٦.
[٢] ابن هشام ١/ ٤٤٨.
[٣] زاد المعاد ٢/ ٥١.
[٤] نفس المصدر ١/ ٤٤٨.