الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٢٣ - حجة الوداع
أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة- و هي الجمرة الكبرى نفسها، كانت عندها شجرة في ذلك الزمان، و تسمى بجمرة العقبة و بالجمرة الأولى- فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا و ستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر- و هي سبع و ثلاثون بدنة، تمام المائة- و أشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، و شربا من مرقها.
ثم ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى على بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه [١].
و خطب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم النحر- عاشر ذي الحجة- أيضا حين ارتفع الضحى، و هو على بغلة شهباء، و علي يعبر عنه، و الناس بين قائم و قاعد [٢]. و أعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه أمس، فقد روى الشيخان عن أبي بكرة قال: خطبنا النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم النحر، قال:
«إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات و الأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم، و رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان».
و قال: «أي شهر هذا؟ قلنا: اللّه و رسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أ ليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: اللّه و رسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أ ليست البلدة؟ قلنا: بلى. فأي يوم هذا؟
قلنا: اللّه و رسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أ ليس يوم النحر؟
قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا».
«و ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض».
[١] رواه مسلم عن جابر، باب حجة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ١/ ٣٩٧، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠.
[٢] روى ذلك أبو داود، باب أي وقت يخطب يوم النحر ١/ ٢٧٠.