الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٦٢ - المرحلة الأولى الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة
ب- أما القوم الثاني- و هم المشركون من صميم قبائل المدينة- فلم تكن لهم سيطرة على المسلمين، و كان منهم من يتخالجه الشكوك، و يتردد في ترك دين الآباء، و لكن لم يكن يبطن العداوة و الكيد ضد الإسلام و المسلمين، و لم تمض عليهم مدة طويلة حتى أسلموا و أخلصوا دينهم للّه.
و كان فيهم من يبطن شديد الإحن و العداوة ضد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و المسلمين، و لكن لم يكن يستطيع أن يناوئهم، بل كان مضطرا إلى إظهار الودّ و الصفاء نظرا إلى الظروف، و على رأس هؤلاء عبد اللّه بن أبي، فقد كانت الأوس و الخزرج اجتمعوا على سيادته بعد حرب بعاث، و لم يكونوا اجتمعوا على سيادة أحد قبله، و كانوا قد نظموا له الخرز، ليتوجوه و يملكوه، و كان على و شك أن يصير ملكا على أهل المدينة إذ باغت مجيء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و انصراف قومه عنه إليه، فكان يرى أنه استلبه ملكا، فكان يبطن شديد العداوة ضده- و لما رأى الظروف لا تساعده على شركه، و أنه يحرم الفوائد الدنيوية أظهر الإسلام بعد بدر، و لكن بقي مستبطنا الكفر، و كان لا يجد مجالا للمكيدة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و بالمسلمين إلا و يأتي بها- و كان أصحابه- من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة في ملكه- يساهمونه و يدعمونه في تنفيذ خططه، و ربما كانوا يتخذون بعض الأحداث، و ضعاف العقول من المسلمين عملاء لهم؛ لتنفيذ خططهم.
ج- أما القوم الثالث- و هم اليهود- فقد كانوا انحازوا إلى الحجاز زمن الاضطهاد الأشوري و الروماني كما أسلفنا، و كانوا في الحقيقة عبرانيين، و لكن بعد الانسحاب إلى الحجاز صبغوا بالصبغة العربية في الزي و اللغة و الحضارة، حتى صارت أسماء قبائلهم أو أفرادهم عربية، و حتى قامت بينهم و بين العرب علاقة الزواج و الصهر، إلا أنهم تحافظوا بعصبيتهم الجنسية، و لم يندمجوا في العرب قطعا، بل كانوا يفتخرون بجنسيتهم الإسرائيلية- اليهودية- و كانوا يحتقرون العرب احتقارا بالغا حتى كانوا يسمونهم أميين بمعنى أنهم وحوش سذج، و أراذل متأخرون، و كانوا يرون أن أموال العرب مباحة لهم، يأكلونها كيف شاءوا، قالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] و لم يكن لهم تحمس في نشر دينهم و إنما جل بضاعتهم الدينية هي: الفأل و السحر و النفث و الرقية و أمثالهم، و بذلك كانوا يرون أنفسهم أصحاب علم و فضل و قيادة روحانية.
و كانوا مهرة في فنون الكسب و المعيشة، فكانت في أيديهم تجارة الحبوب و التمر و الخمر و الثياب، كانوا يوردون الثياب و الحبوب و الخمر، و يصدرون التمر، و كانت لهم