الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٢١ - حجة الوداع
ثم واصل سيره حتى قرب من مكة، فبات بذي طوى، ثم دخل مكة بعد أن صلى الفجر و اغتسل من صباح يوم الأحد لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة ١٠ ه- و قد قضى في الطريق ثمان ليال، و هي المسافة الوسطى- فلما دخل المسجد الحرام طاف بالبيت، و سعى بين الصفا و المروة، و لم يحل، لأنه كان قارنا قد ساق معه الهدي، فنزل بأعلى مكة عند الحجون، و أقام هناك، و لم يعد إلى الطواف غير طواف الحج.
و أمر من لم يكن معه هدي من أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فيطوفوا بالبيت و بين الصفا و المروة، ثم يحلوا حلالا تاما، فترددوا، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، و لو لا أن معي الهدي لأحللت، فحل من لم يكن معه هدي، و سمعوا و أطاعوا.
و في اليوم الثامن من ذي الحجة- و هو يوم التروية- توجه إلى منى، فصلى بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر- خمس صلوات- ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، فأجاز حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، و قد اجتمع حوله مائة ألف و أربعة و عشرون أو أربعة و أربعون ألفا من الناس، فقام فيهم خطيبا، و ألقى هذه الخطبة الجامعة:
«أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا [١]».
«إن دماءكم و أموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، و دماء الجاهلية موضوعة، و إن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث- و كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- و ربا الجاهلية موضوع، و أول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله».
«فاتقوا اللّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه، و لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف.
[١] ابن هشام ٢/ ٦٠٣.