الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٦٢ - الحكم و الغايات المحمودة في هذه الغزوة
وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ. إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤] فقد شبه أحد العسكرين بالآخر في التألم و إيقاع الألم، مما يفيد أن الموقفين كانا متماثلين، و أن الفريقين رجعا و كل غير غالب.
القرآن يتحدث حول موضوع المعركة
و نزل القرآن يلقي ضوءا على جميع المراحل المهمة من هذه المعركة مرحلة مرحلة، و يدلي بتعليقات تصرح بالأسباب التي أدت إلى هذه الخسارة الفادحة، و أبدى النواحي الضعيفة التي لم تزل موجودة في طوائف أهل الإيمان بالنسبة إلى واجبهم في مثل هذه المواقف الحاسمة، و بالنسبة إلى الأهداف النبيلة السامية التي أنشئت للحصول عليها هذه الأمة، التي تمتاز عن غيرها بكونها خير أمة أخرجت للناس.
كما تحدث القرآن عن موقف المنافقين، ففضحهم، و أبدى ما كان في باطنهم من العداوة للّه و لرسوله، مع إزالة الشبهات و الوساوس التي كانت تختلج بقلوب ضعفاء المسلمين، و التي كان يثيرها هؤلاء المنافقون و إخوانهم اليهود- أصحاب الدس و المؤامرة- و قد أشار إلى الحكم و الغايات المحمودة التي تمخضت عنها هذه المعركة.
نزلت حول موضوع المعركة ستون آية من سورة آل عمران تبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل المعركة: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران:
١٢١] و تترك في نهايتها تعليقا جامعا على نتائج هذه المعركة و حكمتها قال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ، وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٧٩].
الحكم و الغايات المحمودة في هذه الغزوة
قد بسط ابن القيم الكلام على هذا الموضوع بسطا تاما [١]. و قال ابن حجر: قال العلماء: و كان في قصة أحد و ما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد و الحكم الربانية أشياء عظيمة منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، و شؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) أن لا يبرحوا منه. و منها أن عادة الرسل أن تبتلى
[١] انظر زاد المعاد ٢/ ٩٩ إلى ١٠٨.