الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٢٧ - ٦- و قيل قبل الهجرة بسنة
و رأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، و يتركون الطيب السمين.
و رأى النساء اللاتي يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم، رآهن معلقات بثديهن.
و رأى عيرا من أهل مكة في الإياب و الذهاب، و قد دلهم على بعير ندّ لهم، و شرب ماءهم من إناء مغطى و هم نائمون، ثم ترك الإناء مغطى، و قد صار ذلك دليلا على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء [١].
قال ابن القيم: فلما أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في قومه أخبرهم بما أراه اللّه عز و جل من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له و أذاهم و استضرارهم عليه، و سألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه اللّه له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته، و لا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا، و أخبرهم عن عيرهم في مسراه و رجوعه، و أخبرهم عن وقت قدومها، و أخبرهم عن البعير الذي يقدمها و كان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا، و أبى الظالمون إلا كفورا [٢].
يقال: سمي أبو بكر رضي اللّه عنه صديقا لتصديقه هذه الوقعة حين كذبها الناس [٣].
و أوجز و أعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [الإسراء: ١] و هذه سنة اللّه في الأنبياء، قال: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] و قال لموسى: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [طه: ٢٣] و قد بين مقصود هذه الإرادة بقوله: وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فبعد استناد علوم الأنبياء إلى رؤية الآيات يحصل لهم من عين اليقين ما لا يقادر قدره، و ليس الخبر كالمعاينة، فيتحملون في سبيل اللّه ما لا يتحمل غيرهم، و تصير جميع قوات الدنيا عندهم كجناح بعوضة لا يعبئون بها إذا ما تدول عليهم بالمحن و العذاب.
و الحكم و الأسرار التي تمكن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل بحثها كتب أسرار الشريعة، و لكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من ينابيع هذه الرحلة المباركة و تتدفق إلى حدائق
[١] المصادر السابقة و ابن هشام ١/ ٣٩٧، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٤، ٤٠٥، ٤٠٦.
[٢] زاد المعاد ١/ ٤٨، و انظر أيضا صحيح البخاري ٢/ ٦٨٤، و صحيح مسلم ١/ ٩٦، و ابن هشام ١/ ٤٠٢، ٤٠٣.
[٣] نفس المصدر الأخير ١/ ٣٩٩.