الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٣١ - النجاح المغتبط
قالا له: تغتسل، و تطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. فقام و اغتسل، و طهر ثوبه، و تشهد و صلى ركعتين، ثم قال: إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، و سأرشده إليكما الآن- سعد بن معاذ- ثم أخذ حربته و انصرف إلى سعد في قومه، و هم جلوس في ناديهم، فقال سعد: أحلف باللّه لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.
فلما وقف أسيد على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ فقال: كلمات الرجلين فو اللّه ما رأيت بهما بأسا، و قد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت.
و قد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه- و ذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك- ليخفروك، فقام سعد مغضبا للذي ذكر له، فأخذ حربته، و خرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: و اللّه يا أبا أمامة لو لا ما بيني و بينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟
و قد كان أسعد قال لمصعب: جاءك و اللّه سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فقال مصعب لسعد بن معاذ: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، و إن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس، فعرض عليه الإسلام، و قرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا و اللّه في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه، و تهلله، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا: تغتسل، و تطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. ففعل ذلك.
ثم أخذ حربته، فأقبل إلى نادي قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف باللّه لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا و أفضلنا رأيا، و أيماننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم و نسائكم علي حرام حتى تؤمنوا باللّه و رسوله. فما أمسى فيهم رجل و لا امرأة إلا مسلما و مسلمة إلا رجل واحد- و هو الأصيرم- تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم ذلك اليوم و قاتل و قتل، و لم يسجد للّه سجدة، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «عمل قليلا و أجر كثيرا».