الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢١٤ - نموذج من مكيدة اليهود
يسأل الركبان عن عمير، حتى أخبره راكب عن إسلامه، فحلفه صفوان أن لا يكلمه أبدا، و لا ينفعه بنفع أبدا.
و رجع عمير إلى مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام فأسلم على يديه ناس كثير [١].
غزوة بني قينقاع
قدمنا بنود المعاهدة التي عقدها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع اليهود. و قد كان حريصا كل الحرص على تنفيذ ما جاء في هذه المعاهدة، و فعلا لم يأت من المسلمين ما يخالف حرفا واحدا من نصوصها. و لكن اليهود الذي ملأوا تاريخهم بالغدر و الخيانة و نكث العهود، لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة، و أخذوا في طريق الدس و المؤامرة و التحريش و إثارة القلق و الاضطراب في صفوف المسلمين. و هاك مثالا من ذلك:
نموذج من مكيدة اليهود
قال ابن إسحاق: مرشاس بن قيس- و كان شيخا (يهوديا) قد عسا [٢] عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الأوس و الخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم و جماعتهم و صلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا و اللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شابا من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث و ما كان من قبله، و أنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، و تنازعوا و تفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة- يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم- و غضب الفريقان جميعا، و قالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة- و الظاهرة:
الحرة- السلاح السلاح، فخرجوا إليها، و كادت تنشب الحرب.
فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين، اللّه اللّه، أ بدعوى الجاهلية، و أنا بين أظهركم، بعد أن
[١] ابن هشام ١/ ٦٦١، ٦٦٢، ٦٦٣.
[٢] عسا الشيخ: كبر.