الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٤٧ - كمال النفس و مكارم الأخلاق
و يوليه عليهم، و يحذر الناس، و يحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره.
يتفقد أصحابه، و يسأل الناس عما في الناس، و يحسن الحسن و يصوبه، و يقبح القبيح و يوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر على الحق، و لا يجاوزه إلى غيره .. الذين يلونه من الناس خيارهم، و أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة.
كان لا يجلس و لا يقوم إلا على ذكر، و لا يوطن الأماكن- لا يميز لنفسه مكانا- إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، و يأمر بذلك، و يعطي كل جلسائه نصيبه؛ حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجته صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، و من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، و قد وسع الناس بسطه و خلقه، فصار لهم أبا، و صاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه حلم و حياء و صبر و أمانة، لا ترفع فيه الأصوات، و لا تؤبن فيه الحرم- لا تخشى فلتاته- يتعاطفون بالتقوى، و يوقرون الكبير، و يرحمون الصغير، و يرفدون ذا الحاجة، و يؤنسون الغريب.
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، و لا غليظ، و لا صخاب، و لا فحاش، و لا عتاب، و لا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، و لا يقنط منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، و الإكثار، و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدا، و لا يعيره، و لا يطلب عورته، و لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، و إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، و يعجب مما يعجبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في المنطق، و يقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، و لا يطلب الثناء إلا من مكافئ [١].
و قال خارجة بن زيد: كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه، و كان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم من غير جميل، كان ضحكة تبسما، و كلامه فصلا، لا فضول و لا تقصير، و كان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيرا له و اقتداء به [٢].
[١] انظر الشفاء للقاضي عياض ١/ ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦، و انظر أيضا شمائل الترمذي.
[٢] نفس المصدر ١/ ١٠٧.