الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٨٢ - ٨- سرية نخلة
إلا بعد ما ارتكبه المشركون في قيادة كرز بن جابر الفهري، فالبداية إنما هي من المشركين مع ما كانوا قد أوتوه قبل ذلك من الأفاعيل.
و بعد وقوع ما وقع في سرية عبد اللّه بن جحش تحقق خوف المشركين، و تجسد أمامهم الخطر الحقيقي، و وقعوا فيما كانوا يخشون الوقوع فيه، و علموا أن المدينة في غاية من التيقظ و التربص، تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية، و أن المسلمين يستطيعون أن يزحفوا إلى ثلاثمائة ميل تقريبا، ثم يقتلوا و يأسروا رجالهم، و يأخذوا أموالهم، و يرجعوا سالمين غانمين، و شعر هؤلاء المشركون بأن تجارتهم إلى الشام أمام خطر دائم، لكنهم بدل أن يفيقوا عن غيهم و يأخذوا طريق الصلاح و الموادعة- كما فعلت جهينة و بنو ضمرة- ازدادوا حقدا و غيظا، و صمم صناديدهم و كبراؤهم على ما كانوا يوعدون و يهددون به من قبل، من إبادة المسلمين في عقر دارهم، و هذا هو الطيش الذي جاء بهم إلى بدر.
أما المسلمون فقد فرض اللّه عليهم القتال بعد وقعة سرية عبد اللّه بن جحش، في شهر شعبان سنة ٢ ه، و أنزل في ذلك آيات بينات وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:
١٩٠، ١٩١، ١٩٢، ١٩٣].
ثم لم يلبث أن أنزل اللّه تعالى عليهم آيات من نوع آخر، يعلم فيها طريقة القتال، و يحثهم عليه، و يبين لهم بعض أحكامه فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها. ذلِكَ، وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ، وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ. وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد: ٤، ٥، ٦، ٧] [١].
ثم ذم اللّه الذين طفقت أفئدتهم ترجف و تخفق حين سمعوا الأمر بالقتال: فَإِذا
[١] حقق الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي تحقيقا مدللا أن سورة محمد نزلت قبل بدر، راجع تفهيم القرآن ٥/ ١١، ١٢.