الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٠٧ - وفود التهنئة
و بعد أن أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ببدر ثلاثة أيام تحرك بجيشه نحو المدينة و معه الأسارى من المشركين، و احتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، و جعل عليه عبد اللّه بن كعب، فلما خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق و بين النازية، و قسم هنالك الغنائم على المسلمين على السواء، بعد أن أخذ منها الخمس.
و عند ما وصل إلى الصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث- و كان هو حامل لواء المشركين يوم بدر، و كان من أكابر مجرمي قريش، و من أشد الناس كيدا للإسلام، و إيذاء لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)- فضرب عنقه علي بن أبي طالب.
و لما وصل إلى عرق الظبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط، و قد أسلفنا بعض ما كان عليه من إيذاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فهو الذي كان ألقى سلا جزور على رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو في الصلاة، و هو الذي خنقه بردائه، و كاد يقتله لو لا أن يعترض أبو بكر رضي اللّه عنه، فلما أمر بقتله قال: من للصبية يا محمد؟ قال: النار [١]. قتله عاصم بن ثابت الأنصاري. و يقال علي بن أبي طالب.
و كان قتل هذين الطاغيتين واجبا من حيث وجهة الحرب، فلم يكونا من الأسارى فحسب، بل كانا من مجرمي الحرب بالاصطلاح الحديث.
وفود التهنئة:
و لما وصل إلى الروحاء لقيه رءوس المسلمين- الذي كانوا قد خرجوا للتهنئة و الاستقبال حين سمعوا بشارة الفتح من الرسولين- يهنئونه بالفتح. و حينئذ قال لهم سلمة بن سلامة: ما الذي تهنئوننا به؟ فو اللّه إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن، فتبسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم قال: «يا ابن أخي أولئك الملأ».
و قال أسيد بن حضير: يا رسول اللّه، الحمد للّه الذي أظفرك، و أقر عينك، و اللّه يا رسول اللّه ما كان تخلفي عن بدر و أنا أظن أنك تلقى عدوا، و لكن ظننت أنها عير، و لو ظننت أنه عدو ما تخلفت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «صدقت».
ثم دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة مظفرا منصورا، قد خافه كل عدو له بالمدينة و حولها. فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، و حينئذ دخل عبد اللّه بن أبي و أصحابه في الإسلام ظاهرا.
[١] روى ذلك أصحاب الصحاح، انظر سنن أبي داود مع حاشيته ...