الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٩٥ - أبو طالب يجمع بني هاشم و بني عبد المطلب
فرغ عتبة و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يستمع منه، قال: أ قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال:
فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَ نَذِيراً، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ثم مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، و ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت و ذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال ورائي أني سمعت قولا و اللّه ما سمعت مثله قط، و اللّه ما هو بالشعر، و لا بالسحر، و لا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني و اجعلوها بي، و خلوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه فاعتزلوه، فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، و إن يظهر على العرب فملكه ملككم، و عزه عزكم، و كنتم أسعد الناس به، قالوا:
سحرك و اللّه يا يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم [١].
و في رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)، إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ فقام مذعورا، فوضع يده على فم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يقول: أنشدك اللّه و الرحم! و ذلك مخافة أن يقع النذير، و قام إلى القوم فقال ما قال [٢].
أبو طالب يجمع بني هاشم و بني عبد المطلب
تغير مجرى الظروف و تبدلت الأوضاع و الأحوال، و لكن أبا طالب لم يزل يتوجس من المشركين خيفة على ابن أخيه، إنه كان ينظر في الحوادث الماضية- إن المشركين هددوه بالمنازلة، ثم حاولوا مساومة ابن أخيه بعمارة بن الوليد ليقتلوه، و إن أبا جهل ذهب إلى ابن أخيه بحجر يرضخه، و إن عقبة بن أبي معيط خنق ابن أخيه بردائه و كاد يقتله، و إن ابن الخطاب كان قد خرج بالسيف ليقضي على ابن أخيه- كان أبو طالب يتدبر في هذه الحوادث، و يشم منها رائحة شر يرجف له فؤاده، و تأكد عنده أن المشركين عازمون على
[١] ابن هشام ١/ ٢٩٣، ٢٩٤.
[٢] تفسير ابن كثير ٦/ ١٥٩، ١٦٠، ١٦١.