الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٣٧ - ١١- ميمونة بنت الحارث
و المبادئ التي كانت أسسا لبناء المجتمع الإسلامي، لم تكن تسمح للرجال أن يختلطوا بالنساء، فلم يكن يمكن تثقيفهن مباشرة مع المراعاة لهذه المبادئ، مع أن مسيس الحاجة إلى تثقيفهن لم يكن أهون و أقل من الرجال، بل كان أشد و أقوى.
و إذن فلم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) سبيل إلا أن يختار من النساء المختلفة الأعمار و المواهب ما يكفي لهذا الغرض، فيزكيهن و يربيهن، و يعلمهن الشرائع و الأحكام، و يثقفهن بثقافة الإسلام حتى يعدهن لتربية البدويات و الحضريات، العجائز منهن و الشابات، فيكفين مئونة التبليغ في النساء.
و قد كان لأمهات المؤمنين فضل كبير في نقل أحواله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- المنزلية للناس، خصوصا من طالت حياته منهن كعائشة، فإنها روت كثيرا من أفعاله و أقواله.
و هناك نكاح واحد كان لنقض تقليد جاهلي متأصل، و هي قاعدة التبني. و كان للمتبنى عند العرب في الجاهلية جميع الحرمات و الحقوق التي كانت للابن الحقيقي سواء بسواء. و كانت قد تأصلت تلك القاعدة في القلوب، بحيث لم يكن محوها سهلا، لكن كانت تلك القاعدة تعارض معارضة شديدة للأسس و المبادئ التي قررها الإسلام في النكاح و الطلاق و الميراث و غير ذلك من المعاملات، و كانت تلك القاعدة تجلب كثيرا من المفاسد و الفواحش التي جاء الإسلام ليمحوها عن المجتمع.
و لهدم تلك القاعدة أمر اللّه تعالى رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) أن ينكح ابنة عمته زينب بنت جحش، و كانت تحت زيد، و لم يكن بينهما توافق، حتى هم زيد بطلاقها، و ذلك في ساعة تألب الأحزاب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و المسلمين، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يخاف دعاية المنافقين و المشركين و اليهود، و ما يثيرونه من الوساوس و الخرافات ضده، و ما يكون له من الأثر السيئ في نفوس ضعفاء المسلمين، فأحب أن لا يطلق زيد؛ حتى لا يقع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في هذا الامتحان.
و لا شك أن هذا التردد و الانحياز كان لا يطابق مطابقة تامة للعزيمة التي بعث بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فعاتبه اللّه على ذلك و قال: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ، وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧].
و أخيرا طلقها زيد، و تزوجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أيام فرض الحصار على بني قريظة بعد أن انقضت عدتها. و كان اللّه قد أوجب عليه هذا النكاح، و لم يترك له خيارا و لا مجالا،