الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٧٠ - غزوة بني النضير
أن يقاتلوا بني النضير- بعد همهم باغتيال الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)- مهما تكن النتائج ...
فلما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جواب حيي بن أخطب كبر و كبر أصحابه، ثم نهض لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابن أم مكتوم و سار إليهم، و علي بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم فرض عليهم الحصار.
و التجأ بنو النضير إلى حصونهم، فأقاموا عليها يرمون بالنبل و الحجارة، و كانت نخيلهم و بساتينهم عونا لهم في ذلك، فأمر بقطعها و تحريقها، و في ذلك يقول حسان:
و هان على سراة بني لؤي* * * حريق بالبويرة مستطير
البويرة: اسم لنخل بني النضير، و في ذلك أنزل اللّه تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الحشر: ٥].
و اعتزلتهم قريظة، و خانهم عبد اللّه بن أبي و حلفاؤهم من غطفان، فلم يحاول أحد أن يسوق لهم خيرا، أو يدفع عنهم شرا، و لهذا شبه سبحانه و تعالى قصتهم، و جعل مثلهم:
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ [الحشر: ١٦].
و لم يطل الحصار- فقد دام ست ليال فقط، و قيل: خمس عشرة ليلة- حتى قذف اللّه في قلوبهم الرعب، فاندحروا و تهيئوا للاستسلام و لإلقاء السلاح، فأرسلوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم و ذراريهم، و أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح.
فنزلوا على ذلك، و خربوا بيوتهم بأيديهم، ليحملوا الأبواب و الشبابيك، بل حتى حمل بعضهم الأوتاد و جذوع السقف، ثم حملوا النساء و الصبيان، و تحملوا على ستمائة بعير، فترحل أكثرهم و أكابرهم كحيي بن أخطب و سلام بن أبي الحقيق إلى خيبر، و ذهبت طائفة منهم إلى الشام، و أسلم منهم رجلان فقط يامين بن عمرو و أبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما.
و قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سلاح بني النضير، و استولى على أرضهم و ديارهم و أموالهم، فوجد من السلاح خمسين درعا، و خمسين بيضة، و ثلاثمائة و أربعين سيفا.
و كانت أموال بني النضير و أرضهم و ديارهم خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يضعها حيث يشاء، و لم يخمسها لأن اللّه أفاءها عليه، و لم يوجف المسلمون عليها بخيل و لا ركاب، فقسمها بين المهاجرين الأولين خاصة، إلا أنه أعطى أبا دجانة و سهل بن حنيف الأنصاريين