الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٦٩ - غزوة بني النضير
الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري- و كان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة- فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك. فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعدوا، و جلس معه أبو بكر و عمر و علي و طائفة من أصحابه.
و خلا اليهود بعضهم إلى بعض، و سوّل لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم، فتامروا بقتله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى، و يصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ ... فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا. فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فو اللّه ليخبرن بما هممتم به، و إنه لنقض العهد الذي بيننا و بينه، لكنهم عزموا على تنفيذ خطتهم.
و نزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) يعلمه بما هموا به، فنهض مسرعا، و توجه إلى المدينة، و لحقه أصحابه فقالوا: نهضت و لم نشعر بك، فأخبرهم بما همت به يهود.
و ما لبث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول لهم: «اخرجوا من المدينة و لا تساكنوني بها، و قد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه».
و لم يجد يهود مناصا من الخروج، فأقاموا أياما يتجهزون للرحيل، بيد أن رئيس المنافقين- عبد اللّه بن أبي- بعث إليهم أن اثبتوا و تمنعوا، و لا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم، فيموتون دونكم لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً، وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ و تنصركم قريظة و حلفاؤكم من غطفان.
و هناك عادت لليهود ثقتهم، و استقر رأيهم على المناوأة، و طمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله رأس المنافقين، فبعث إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.
و لا شك أن الموقف كان حرجا بالنسبة إلى المسلمين، فإن اشتباكهم بخصومهم في هذه الفترة المحرجة من تاريخهم لم يكن مأمون العواقب، و قد رأيت كلب العرب عليهم، و فتكهم الشنيع ببعوثهم، ثم إن يهود بني النضير كانوا على درجة من القوة تجعل استسلامهم بعيد الاحتمال، و تجعل فرض القتال معهم محفوفا بالمكاره، إلا أن الحال التي جدت بعد مأساة بئر معونة و ما قبلها زادت حساسية المسلمين بجرائم الاغتيال و الغدر التي أخذوا يتعرضون لها جماعات و أفرادا، و ضاعفت نقمتهم على مقترفيها، و من ثم قرروا