الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٣ - ٤- سقاية الحاج
فالتقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، صار جمع من الفريقين فريسة له، ثم تداعوا إلى الصلح فحكموا يعمر بن عوف أحد بني بكر، فقضى بأن قصيا أولى بالكعبة و بأمر مكة من خزاعة، و كل دم أصابه قصي منهم موضوع بشدخة تحت قدميه، و ما أصابت خزاعة و بنو بكر ففيه الدية، و أن يخلي بين قصي و بين الكعبة- فسمي يعمر يومئذ الشداخ [١]- و كان استيلاء قصي على مكة و البيت في أواسط القرن الخامس للميلاد سنة ٤٤٠ م [٢] و بذلك صارت لقصي، ثم لقريش السيادة التامة، و الأمر النافذ في مكة، و صار الرئيس الديني لذلك البيت الذي كانت تفد إليه العرب من جميع أنحاء الجزيرة.
و مما فعله قصي بمكة أنه جمع قومه من منازلهم إلى مكة، و قطعها رباعا بين قومه، و أنزل كل قوم من قريش منازلهم التي أصبحوا عليها، و أقر النسأة و آل صفوان، و عدوان و مرة بن عوف على ما كانوا عليه من المناصب؛ لأنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره [٣].
و من مآثر قصي أنه أسس دار الندوة بالجانب الشمالي من مسجد الكعبة، و جعل بابها إلى المسجد، و كانت مجمع قريش، و فيها تفصل مهام أمورها، و لهذه الدار فضل على قريش؛ لأنها ضمنت اجتماع الكلمة و فض المشاكل بالحسنى [٤].
[رئاسة قصي]
و كان لقصي من مظاهر الرئاسة و التشريف:
١- رئاسة دار الندوة
، ففيها كانوا يتشاورون فيما نزل بهم من جسام الأمور، و يزوجون فيها بناتهم.
٢- اللواء
، فكانت لا تعقد راية الحرب إلا بيده.
٣- الحجابة
و هي حجابة الكعبة، لا يفتح بابها إلا هو، و هو الذي يلي أمر خدمتها و سدانتها.
٤- سقاية الحاج
، و هي أنهم كانوا يملئون للحجاج حياضا من الماء، يحلونها بشيء من التمر و الزبيب، فيشرب الناس منها إذا وردوا مكة [٥].
[١] ابن هشام ١/ ١٢٣- ١٢٤.
[٢] قلب جزيرة العرب ص ٢٣٢.
[٣] ابن هشام ١/ ١٢٤- ١٢٥.
[٤] ابن هشام ١/ ١٢٥، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ١/ ٣٦، و أخبار الكرام ص ١٥٢.
[٥] محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ١/ ٣٦.