الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٦٦ - بناء المسجد النبوي
بناء مجتمع جديد
قد أسلفنا أن نزول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمدينة في بني النجار كان يوم الجمعة (١٢ ربيع الأول سنة ١ ه الموافق ٢٧ سبتمبر سنة ٦٢٢ م)، و أنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب، و قال: هاهنا المنزل إن شاء اللّه، ثم انتقل إلى بيت أبي أيوب.
بناء المسجد النبوي:
و أول خطوة خطاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد ذلك هو إقامة المسجد النبوي. ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء هذا المسجد، و اشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، و ساهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبن و الحجارة و يقول:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة* * * فاغفر للأنصار و المهاجرة
و كان يقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر* * * هذا أبر ربنا و أطهر
و كان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في البناء حتى إن أحدهم ليقول:
لئن قعدنا و النبي يعمل* * * لذاك منا العمل المضلل
و كانت في ذلك المكان قبور المشركين، و كان فيه خرب و نخل و شجرة من غرقد، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بقبور المشركين فنبشت، و بالخرب فسويت، و بالنخل و الشجرة فقطعت، و صفت في قبلة المسجد، و كانت القبلة إلى بيت المقدس، و جعلت عضادتاه من حجارة، و أقيمت حيطانه من اللبن و الطين، و جعل سقفه من جريد النخل، و عمده الجذوع، و فرشت أرضه من الرمال و الحصباء، و جعلت له ثلاثة أبواب، و طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، و الجانبان مثل ذلك أو دونه، و كان أساسه قريبا من ثلاثة أذرع.
و بنى بيوتا إلى جانبه، بيوت الحجر باللبن، و سقفها بالجريد و الجذوع، و هي حجرات أزواجه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و بعد تكامل الحجرات انتقل إليها من بيت أبي أيوب [١].
[١] صحيح البخاري ١/ ٧١، ٥٥٥، ٥٦٠، زاد المعاد ٢/ ٥٦.