الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٣١٥ - ما ذا يتمخض عن بنود المعاهدة
و طلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. تزوج بإحداهما معاوية، و بالأخرى صفوان بن أمية.
ما ذا يتمخض عن بنود المعاهدة
هذه هي هدنة الحديبية، و من سبر أغوار بنودها مع خلفياتها لا يشك أنها فتح عظيم للمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف، بل كانت تهدف استئصال شأفتهم، و تنتظر أن تشهد يوما ما نهايتهم، و كانت تحاول بأقصى قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية، و بين الناس، بصفتها ممثلة الزعامة الدينية و الصدارة الدنيوية في جزيرة العرب، و مجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين، و أن قريشا لا تقدر على مقاومتهم، ثم البند الثالث يدل لفحواه على أن قريشا نسيت صدارتها الدنيوية و زعامتها الدينية، و أنها لا تهمها الآن إلا نفسها، أما سائر الناس و بقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها، فلا يهم ذلك قريشا، و لا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل.
أ ليس هذا فشلا ذريعا بالنسبة إلى قريش؟ و فتحا مبينا بالنسبة إلى المسلمين؟ إن الحروب الدامية التي جرت بين المسلمين و بين أعدائهم لم تكن أهدافها- بالنسبة إلى المسلمين- مصادرة الأموال و إبادة الأرواح، و إفناء الناس، أو إكراه العدو على اعتناق الإسلام، و إنما كان الهدف الوحيد الذي يهدفه المسلمون من هذه الحروب هو الحرية الكاملة للناس في العقيدة و الدين فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ. لا يحول بينهم و بين ما يريدون أي قوة من القوات، و قد حصل هذا الهدف بجميع أجزائه و لوازمه، و بطريق ربما لا يحصل بمثله في الحروب مع الفتح المبين، و قد كسب المسلمون لأجل هذه الحرية نجاحا كبيرا في الدعوة، فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف قبل الهدنة، صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند فتح مكة عشرة آلاف.
أما البند الثاني؛ فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين، فالمسلمون لم يكونوا بادئين بالحروب، و إنما بدأتها قريش، يقول اللّه تعالى: وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أما المسلمون فلم يكن المقصود من دورياتهم العسكرية إلا أن تفيق قريش عن غطرستها، و صدها عن سبيل اللّه، و تعمل معهم بالمساواة، كل من الفريقين يعمل على شاكلته فالعقد بوضع الحرب عشر سنين حد لهذه الغطرسة و الصد، و دليل على فشل من بدأ الحرب و ضعفه و انهياره.