الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٥٣ - في الطريق إلى المدينة
في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقلت له، إن قومك قد جعلوا فيك الدية، و أخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، و عرضت عليهم الزاد و المتاع فلم يرزآني، و لم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي في رقعة من أدم، ثم مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) [١].
و في رواية عن أبي بكر قال: ارتحلنا، و القوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول اللّه، فقال: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [٢].
و رجع سراقة، فوجد الناس في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، قد كفيتم ما هاهنا. و كان أول النهار جاهدا عليهما، و آخره حارسا لهما [٣].
٤- و مر في مسيره ذلك حتى مر بخيمتي أم معبد الخزاعية، و كانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تطعم و تسقي من مر بها، فسألاها: هل عندها شيء؟ فقالت: و اللّه لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى و الشاء عازب، و كانت سنة شهباء.
فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك.
فقال: أ تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي و أمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده ضرعها، و سمى اللّه و دعا، فتفاجت عليه و درت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت، و سقي أصحابه حتى رووا، ثم شرب، و حلب فيه ثانيا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا، فلما رأى اللبن عجب، فقال: من أين لك هذا؟ و الشاة عازب، و لا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا و اللّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت، و من حاله كذا و كذا، قال: إني و اللّه أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد، فوصفته بصفاته الرائعة بكلام رائع كأن
[١] نفس المصدر ١/ ٥٥٤- و كان مقر بني مدلج بالقرب من رابغ، و تبعهما سراقة حينما كانا مصعدين من قديد- زاد المعاد ٢/ ٥٣- فالأغلب أنه تبعهما في اليوم الثالث من رحيلهما.
[٢] صحيح البخاري ١/ ٥١٦.
[٣] زاد المعاد ٢/ ٥٣.