الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٥٧ - في الطريق إلى المدينة
به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت، و لم ينزل عنها حتى نهضت و سارت قليلا، ثم التفتت و رجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، و ذلك في بني النجار- أخواله- (صلّى اللّه عليه و سلم). و كان من توفيق اللّه لها، فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في النزول عليهم، و بادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله، فأدخله بيته، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: المرء مع رحله، و جاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته، و كانت عنده [١].
و في رواية أنس عند البخاري، قال نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول اللّه، هذه داري، و هذا بابي: قال: فانطلق فهيّئ لنا مقيلا، قال: قوما على بركة اللّه [٢].
و بعد أيام وصلت إليه زوجته سودة، و بنتاه فاطمة و أم كلثوم، و أسامة بن زيد، و أم أيمن، و خرج معهم عبد اللّه بن أبي بكر بعيال أبي بكر و منهم عائشة، و بقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر [٣].
قالت عائشة: لما قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة وعك أبو بكر و بلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك، و يا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبّح في أهله* * * و الموت أدنى من شراك نعله
و كان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته و يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة* * * بواد و حولي إذخر و جليل
و هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل يبدون لي شامة و طفيل
قالت عائشة: فجئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأخبرته، فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حبا، و صححها، و بارك في صاعها و مدها، و انقل حماها فاجعلها بالجحفة» [٤].
إلى هنا انتهى قسم من حياته (صلّى اللّه عليه و سلم)، و تم دور من الدعوة الإسلامية، و هو الدور المكي.
[١] رحمة للعالمين ١/ ١٠٦، زاد المعاد ٢/ ٥٥.
[٢] صحيح البخاري ١/ ٥٥٦.
[٣] زاد المعاد ٢/ ٥٥.
[٤] صحيح البخاري ١/ ٥٨٨، ٥٨٩.