العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٠ - وفود أم سنان بنت خيثمة على معاوية رحمه اللّه
هذا عليّ كالهلال تحفّه # وسط السّماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق و ابن عمّ محمّد # إن يهدكم بالنّور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفّرا # و النّصر فوق لوائه ما يفقد
قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين، و أرجو أن تكون لنا خلفا بعده فقال رجل من جلسائه: كيف يا أمير المؤمنين و هي القائلة:
إمّا هلكت أبا الحسين فلم تزل # بالحقّ تعرف هاديا مهديّا-
فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت # فوق الغصون حمامة قمريّا
قد كنت بعد محمّد خلفا كما # أوصى إليك بنا فكنت وفيّا
فاليوم لا خلف يؤمّل بعده # هيهات نأمل بعده إنسيّا
قالت: يا أمير المؤمنين، لسان نطق، و قول صدق؛ و لئن تحقق فيك ما ظننّا فحظك الأوفر. و اللّه ورّثك الشّنآن [١] في قلوب المسلمين إلاّ هؤلاء. فأدحض [٢]
مقالتهم، و أبعد منزلتهم، فإنك إن فعلت ذلك تزدد من اللّه قربا، و من المؤمنين حبا.
قال: و إنك لتقولين ذلك؟قالت سبحان اللّه!و اللّه ما مثلك مدح بباطل. و لا اعتذر إليه بكذب؛ و إنك لتعلم ذلك من رأينا و ضمير قلوبنا. كان و اللّه عليّ أحبّ إلينا منك، و أنت أحبّ إلينا من غيرك. قال: ممن؟قالت: من مروان بن الحكم و سعيد ابن العاص. قال: و بم استحققت ذلك عندك؟قالت: بسعة حلمك و كريم عفوك.
قال: فإنهما يطمعان في ذلك. قالت: هما و اللّه من الرأي على ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه اللّه. قال: و اللّه لقد قاربت، فما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إن مروان تبنّك [٣] بالمدينة تبنّك من لا يريد منها البراح، لا يحكم بعدل، و لا يقضي بسنّة، يتتبع عثرات المسلمين، و يكشف عورات المؤمنين، حبس ابن ابني، فأتيته، فقال كيت و كيت فألقمته أخشن من الحجر،
[١] الشنآن: البغض.
[٢] أو حض: ادفع و أبعد و سفّه
[٣] تبنّك: أقام.