العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٦ - وفود الأحنف على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه
إخواننا من أهل الكوفة و الشام و مصر نزلوا منازل الأمم الخالية، و الملوك الجبابرة، و منازل كسرى و قيصر و بني الأصفر [١] ، فهم من المياه العذبة و الجنان المخصبة في مثل حولاء السّلى و حدقة البعير [٢] ، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تتغيّر؛ و إنا نزلنا أرضا نشاشة طرف في فلاة و طرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، و جانب سبخة نشّاشة لا يجف ترابها، و لا ينبت مرعاها، تأتينا منافعها في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف منّا يستعذب الماء من فرسخين، و تخرج المرأة بمثل ذلك ترنّق [٣]
ولدها ترنيق العنز، تخاف عليه العدوّ و السبع، فإلا ترفع خسيستنا. و تنعش ركيستنا [٤] ، و تجبر فاقتنا، و تزيد في عيالنا عيالا، و في رجالنا رجالا، و تصفّر درهمنا، و تكبّر قفيزنا، و تأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا.
قال عمر: هذا و اللّه السيد!هذا و اللّه السيد! قال الأحنف: فما زلت أسمعها بعدها.
فأراد زيد بن جبلة أن يضع منه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك، و أمّه باهليّة.
قال عمر: هو خير منك إن كان صادقا. يريد: إن كانت له نيّة.
فقال الأحنف:
أنا ابن الباهليّة أرضعتني # بثدي لا أجدّ و لا وخيم [٥]
أغضّ على القذى أجفان عيني # إذا شرّ السّفيه إلى الحليم [٦]
قال فرجع الوفد و احتبس الأحنف عنده حولا و أشهرا، ثم قال: إن رسول اللّه
[١] بني الأصفر: يعني الروم.
[٢] الحولاء: غلاف أخضر مملوء ماء، و السّلى: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، و يكنّى بحولاء السّلى و حدقة البعير عن الخصب و الخير.
[٣] الترنيق: إدامة النظر.
[٤] الركس: قلب أول الشيء على آخره.
[٥] الأجدّ: اليابس القليل اللبن.
[٦] أغضّ: أصبر و أطبق أجفاني و القذى: ما يقع في العين من أذى و شرّ: من الشرّ.