العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٩ - كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء
العتبي قال: تنازع إبراهيم بن المهديّ هو و بختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دواد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السّواد؛ فزرى عليه ابن المهدي و أغلظ له بين يدي أحمد بن أبي دواد، فأحفظه ذلك [١] ، فقال: يا إبراهيم، إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا، و لا أشرت إليه بيد، و ليكن قصدك أمما، و طريقك نهجا، و ريحك ساكنة؛ و وفّ مجالس الحكومة حقوقها مع التوقير و التعظيم و التوجيه إلى الواجب؛ فإن ذلك اشبه بك، و أشكل لمذهبك في محتدك [٢] و عظم خطرك؛ و لا تعجل؛ فربّ عجلة تهب ريثا. و اللّه يعصمك من الزلل، و خطل القول و العمل [٣] ، و يتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم عليم. قال إبراهيم: أصلحك اللّه، أمرت بسداد، و حضضت على رشاد. و لست بعائد إلى ما يثلم مروءتي عندك [٤] ، و يسقطني من عينك، و يخرجني عن مقادر الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنذا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، باخع [٥] بجرمه و تلك عادة عندنا منك، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل. و قد وهبت حقي من هذا العقار لبختيشوع!فليت ذلك يقوم بأرش [٦] الجناية؛ و لن يتلف مال أفاد موعظة، و باللّه التوفيق.
كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء
و كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، رواها ابن عيينة: أما بعد فإنّ القضاء فريضة محكمة، و سنة متّبعة؛ فافهم إذا أدلى إليك الخصم؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في مجلسك و وجهك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك [٧] و لا يخاف ضعيف من جورك. البينة على من ادّعى و اليمين على من أنكر
[١] أحفظه: وجد عليه.
[٢] المحتد: الأصل.
[٣] الخطل: الفساد.
[٤] يثلم: يعيب و ينقص.
[٥] باخع: متذلّل معترف.
[٦] الأرش: الدية.
[٧] الحيف: الظلم.