العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤
و صلّى اللّه على[سيّدنا محمّد]النبيّ المكرّم، الشافع المقرّب، الذي بعث آخرا و اصطفي أوّلا، و جعلنا من أهل طاعته، و عتقاء شفاعته.
و بعد: فإنّ أهل كلّ طبقة، و جهابذة [١] كلّ أمّة؛ قد تكلّموا في الأدب و تفلسفوا في العلوم على كلّ لسان، و مع كلّ زمان؛ و إنّ كلّ متكلّم منهم قد استفرغ غايته و بذل مجهوده في اختصار بديع معاني المتقدّمين، و اختيار جواهر ألفاظ السالفين؛ و أكثروا في ذلك حتى احتاج المختصر منها إلى اختصار، و المتخيّر إلى اختيار.
ثم إني رأيت آخر كلّ طبقة، و واضعي كلّ حكمة و مؤلّفي كل أدب، أعذب ألفاظا و أسهل بنية و أحكم مذهبا و أوضح طريقة من الأوّل، لأنه ناكص متعقّب [٢] ، و الأوّل بادي متقدّم.
فلينظر الناظر إلى الأوضاع المحكمة و الكتب المترجمة بعين إنصاف، ثم يجعل عقله حكما عادلا[و فيصلا]قاطعا؛ فعند ذلك يعلم أنها شجرة باسقة الفرع، طيّبة المنبت، زكيّة التّربة، يانعة الثّمرة. فمن أخذ بنصيبه منها كان على إرث من النّبوّة، و منهاج من الحكمة؛ لا يستوحش صاحبه، و لا يضلّ من تمسّك به.
و قد ألّفت هذا الكتاب و تخيّرت جواهره من متخيّر جواهر الآداب و محصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر و لباب اللّباب؛ و إنّما لي فيه تأليف[الأخبار، و فضل]الاختيار، و حسن الاختصار، و فرش في صدر كلّ كتاب؛ و ما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، و مأثور عن الحكماء و الأدباء. و اختيار الكلام أصعب من تأليفه. و قد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله [٣] . و قال الشاعر:
قد عرفناك باختيارك إذ كا # ن دليلا على اللّبيب اختياره
[١] الجهابذة: جمع جهبذ، و هو الخبير بالأمور المميّز بين جيدها و رديئها.
[٢] متعقّب: متأخر.
[٣] وافد عقله: أي صادر عنه و دليل عليه.