العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٢ - وفود جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه
الذي ببلدنا-يعني جبلة-الذي أتانا راغبا في ديننا؟قال: ما لقيته.
قال: القه، ثم ائتني أعطك جواب كتابك.
و ذهب الرسول إلى باب جبلة، فإذا عليه من القهارمة و الحجاب و البهجة و كثرة الجمع مثل ما على باب هرقل.
قال الرسول: فلم أزل أتلطف في الإذن حتى أذن لي، فدخلت عليه، فرأيت رجلا أصهب اللحية ذا سبال؛ و كان عهدي به أسمر أسود اللحية و الرأس. فنظرت إليه فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب [١] فذرّها في لحيته حتى عاد أصهب، و هو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسود من ذهب، فلما عرفني رفعني معه في السرير، فجعل يسائلني عن المسلمين، فذكرت خيرا، و قلت: قد أضعفوا أضعافا على ما تعرف. فقال: كيف تركت عمر بن الخطاب؟قلت: بخير. فرأيت الغم قد تبيّن فيه لما ذكرت له من سلامة عمر. قال: فانحدرت عن السرير. فقال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟قلت: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نهى عن هذا.
قال: نعم، صلّى اللّه عليه و سلّم، و لكن نقّ قلبك من الدّنس و لا تبال علام قعدت. فلما سمعته يقول: صلّى اللّه عليه و سلّم طمعت فيه، فقلت له: ويحك يا جبلة!أ لا تسلم و قد عرفت الإسلام و فضله؟قال: أبعد ما كان مني؟ قلت: نعم، قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت: ارتد عن الإسلام و ضرب وجوه المسلمين بالسيف، ثم رجع إلى الإسلام و قبل ذلك منه و خلّفته بالمدينة مسلما.
قال: ذرني من هذا؛ إن كنت تضمن لي أن يزوّجني عمر ابنته و يولّيني الأمر بعده رجعت إلى الإسلام. قلت: ضمنت لك التزويج و لم أضمن لك الإمرة.
قال: فأومأ إلى خادم بين يديه، فذهب مسرعا، فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت، و نصبت موائد الذهب و صحاف الفضة، و قال لي:
[١] سحالة الذهب: ما سقط منه إذا برد.