العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ [ربّ يسّر و أعن قال أبو عمرو أحمد بن عبد ربّه الأندلسيّ، رحمه اللّه]:
الحمد للّه الأوّل بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء؛ المنفرد بقدرته، المتعالي في سلطانه؛ الذي لا تحويه الجهات و لا تنعته الصّفات؛ و لا تدركه العيون، و لا تبلغه الظّنون؛ البادئ بالإحسان، العائد بالامتنان؛ الدالّ على بقائه بفناء خلقه، و على قدرته بعجز كلّ شيء سواه؛ المغتفر إساءة المذنب بعفوه، و جهل المسيء بحمله؛ الذي جعل معرفته اضطرارا، و عبادته اختيارا؛ و خلق الخلق من[بين]ناطق معترف بوحدانيّته، و صامت متخشّع لربوبيّته؛ لا يخرج شيء عن قدرته، و لا يعزب [١] عن رؤيته؛ الذي قرن بالفضل رحمته، و بالعدل عذابه؛ فالناس مدينون بين فضله و عدله، آذنون بالزّوال، آخذون في الانتقال؛ من دار بلاء، إلى دار جزاء.
أحمده على حلمه بعد علمه، و على عفوه بعد قدرته؛ فإنّه رضي الحمد ثمنا لجزيل نعمائه، و جليل آلائه [٢] ؛ و جعله مفتاح رحمته، و كفاء نعمته، و آخر دعوى أهل جنّته، بقوله جلّ و عزّ: وَ آخِرُ دَعْوََاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [٣]
[١] يعزب: يغيب.
[٢] آلائه: نعمه.
[٣] سورة يونس الآية ١٠