العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٢ - عادتهم في ذلك
لا تيأسنّ و إن طالت مطالبة # إذا تضايق أمر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته # و مدمن القرع للأبواب أن يلجا [١]
و قال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، و أشدّ من المصيبة سوء الخلف منها.
و قالوا: صاحب الحاجة مبهوت، و طلب الحوائج كلّها تعزير [٢] .
و قالت: الحكماء: لا تطلب حاجتك من كذّاب؛ فإنه يقرّ بها بالقول و يبعدها بالفعل؛ و لا من أحمق، يريد نفعك فيضرّك؛ و لا من رجل له أكلة من جهة رجل، فإنه لا يؤثر حاجتك على أكلته.
و قال دعبل بن علي الخزاعي:
جئتك مسترفدا بلا سبب # إليك إلاّ بحرمة الأدب [٣]
فاقض ذمامي فإنني رجل # غير ملحّ عليك في الطّلب
و قال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمرا لا يتلاقى به اثنان إلا وجب النّجح بينهما. قيل له: و ما ذاك؟قال: العقل؛ فإن العاقل لا يسأل ما لا يمكن، و لا يردّ عما يمكن.
و قال الشاعر:
أتيتك لا أدلي بقربى و لا يد # إليك سوى أنّي بجودك واثق
فإن تولني عرفا أكن لك شاكرا # و إن قلت لي عذرا أقل أنت صادق [٤]
و قال الحسن بن هانئ:
فإن تولني منك الجميل فأهله # و إلا فإنّي عاذر و شكور
[١] أخلق: أي جدير و حريّ و يلج: يدخل
[٢] التعزير: التشديد.
[٣] مسترفدا: طالبا العطاء.
[٤] أولاه العرف: أي وصله بكرمه.