العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٤ - مرداس و مقتله
فتعاظمهم ذلك. فكمن له عبيدة بن هلال فضربه، و احتمله أصحابه، فظنّت الخوارج أنه قد قتل، فكانوا إذا تواقفوا ينادونهم: ما فعل الهرار؟فيقولون: ما به من بأس. حتى أبلّ [١] من علّته، فخرج إليهم فقال؛ يا أعداء اللّه!أ ترون بي بأسا؟ فصاحوا: قد كنا نرى أنك لحقت بأمك الهاوية في النار الحامية.
فلما طال الحصار على عتّاب، قال لأصحابه: ما تنتظرون؟إنكم و اللّه ما تؤتون من قلّة؛ و إنكم فرسان عشائركم؛ و لقد حاربتموهم مرارا فانتصفتم منهم؛ و ما بقي من هذا الحصار إلا أن تفنى ذخائرهم فيموت أحدكم فيدفنه صاحبه، ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه!فقاتلوا القوم و بكم قوة، من قبل أن يضعف أحدكم عن أن يمشي إلى قرنه.
فلما أصبح صلى بهم الصبح، ثم خرج إلى الخوارج و هم غارّون، و قد نصب لواء لجارية يقال لها ياسمين، فقال: من أراد البقاء فليلحق بلواء ياسمين!و من أراد الجهاد فليلحق بلوائي. قال: فخرج في ألفين و سبعمائة فارس، فلم تشعر بهم الخوارج حتى غشوهم. فقاتلوهم بجد لم تر الخوارج مثله، فقتلوا أميرهم الزبير بن عليّ، و انهزمت الخوارج، فلم يتبعهم عتّاب بن ورقاء.
و خرج قريب بن مرة الأزدي و زحّاف الطائي، و كانا مجتهدين بالبصرة في أيام زياد فاعترضا الناس، فلقيا شيخا ناسكا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار فقتلاه، و تنادى الناس، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد بالسيف، فناداه الناس من بعض البيوت: الحرورية الحرورية!انج بنفسك. فنادوه: لسنا حروريّة نحن الشّرط. فوقف فقتلوه.
و بلغ أبا بلال خبرهما، و كان على دين الخوارج إلا أنه كان لا يرى اعتراض الناس، فقال: قريب، لا قرّبه اللّه من الخير، و زخّاف، لا عفا اللّه عنه، فلقد ركباها عشواء مظلمة [٢] .
[١] أبلّ: شفي.
[٢] يريد اعتراضهما الناس، و العشواء. المظلمة: الناقة العمياء التي تتخبّط في سيرها.