العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٨ - باب في مداراة العدوّ
رجلان: أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب، و أعلام بيوتات الشرف، له أدب فاضل، و حلم راجح، و دين صحيح. و الآخر له دين غير مغموز، و موضع غير مدخول، بصير بتقليب الكلام، و تصريف الرأي، و أنحاء الأدب، و وضع الكتب، عالم بحالات الحروب، و تصاريف الخطوب، يضع آدابا نافعة، و آثارا باقية، من تجميل محاسنك، و تحسين أمرك، و تحلية ذكرك. فتستشيره في حربك، و تدخله في أمرك. فرجل أصبته كذلك فهو يأوى إلى محلّتي، و يرعى في خضرة جناني؛ و لا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان، و خيار الأمصار. أقواما يكونون جيرانك و سمارك، و أهل مشاورتك فيما تورد، و أصحاب مناظرتك فيما تصدر. فسر على بركة اللّه، أصحبك اللّه من عونه و توفيقه دليلا يهدي إلى الصواب قلبك، و هاديا ينطق بالخير لسانك.
و كتب في شهر ربيع الآخرة سنة سبعين و مائة ببغداد [١] .
باب في مداراة العدوّ
في كتاب للهند: أن العدو الشديد الذي لا تقوى له لا تردّ بأسه عنك بمثل الخشوع و الخضوع له، كما أنّ الحشيش إنما يسلم من الريح العاصفة بلينه و انثنائه معها.
و قالوا: ازفن [٢] للقرد في دولته.
أخذه الشاعر فقال:
لا تعبدن صنما في فاقة نزلت # و ازفن بلا حرج للقرد في زمنه
و قال أحمد بن يوسف الكاتب: إذا لم تقدر أن تعضّ يد عدوّك فقبّلها.
[١] كذا في الأصل، و الذي يذكره المؤرّخون أن خروج موسى الهادي إلى جرجان كان في سنة ١٦٦ هـ-.
و كانت وفاة المهدي في شهر محرّم سنة ١٦٩ بعد الهجرة.
[٢] ازفن: ارقص.