العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٦ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
فيتصاغر عظيم فضله، و يتذأب [١] مشرق نوره، و يتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء و من يختار له من الناس؟ قال محمد بن الليث: أيها المهدي، إن وليّ عهدك أصبح لأمتك و أهل ملتك علما قد تثنّت نحوه أعناقها، و مدّت سمته أبصارها، و قد كان لقرب داره منك، و محلّ جواره لك، عطل الحال، غفل الأمر، واسع العذر، فأما إذا انفرد بنفسه، و خلا بنظره، و صار إلى تدبيره، فإن من شأن العامة و أمراء الأمة أن تتفقد مخارج رأيه، و تستنصت لمواقع آثاره، و تسأل عن حوادث أحواله، في برّه و مرحمته، و إقساطه و معدلته، و تدبيره و سياسته، و وزرائه و أصحابه، ثم يكون ما سيق إليهم أغلب الأشياء عليهم، و أملك الأمور بهم، و ألزمها لقلوبهم، و أشدّها استمالة لرأيهم، و عطفا لأهوائهم. فلا يفتأ المهدي-وفقه اللّه-ناظرا له فيما يقوّي عمد مملكته، و يسدّد أركان ولايته، و يستجمع رضا أمته، بأمر هو أزين لحاله، و أظهر لجماله، و أفضل مغبّة لأمره، و أجلّ موقعا في قلوب رعيته، و أحمد حالا في نفوس أهل ملّته. و لا أوقع مع ذلك باستجماع الأهواء له؛ و أبلغ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمة تظهر من فعله، و معدلة تنتشر عن أثره، و محبة للخير و أهله، و أن يختار المهديّ- وفقه اللّه-من خيار أهل كل بلدة، و فقهاء أهل كلّ مصر. أقواما تسكن العامة إليهم إذا ذكروا، و تأنس الرعية بهم إذا وصفوا، ثم تسهّل لهم عمارة سبل الإحسان؛ و فتح باب المعروف كما قد كان فتح له و سهل عليه.
قال المهدي: صدقت و نصحت. ثم بعث في ابنه موسى؛ فقال: أي بنيّ، إنك قد أصبحت لسمت عيون العامة نصبا [٢] ، و لمثنى أعطاف الرعية غاية، فحسنتك شاملة، و إساءتك نامية، و أمرك ظاهر. فعليك بتقوى اللّه و طاعته، فاحتمل سخط الناس فيهما، و لا تطلب رضاهم بخلافهما؛ فإن اللّه عزّ و جلّ كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه؛ و ليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه.
ثم اعلم أن للّه تعالى في كل زمان عترة من رسله، و بقايا من صفوة خلقه، و خبايا
[١] يتذأب: يضطرب.
[٢] السمت: الطريق، و النصب: الإمام و القدوة و جعله نصب عينيه: أي أمام عينيه مقتديا به.