العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٤ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
فاضل، و عقل كامل، و ورع واسع، ليس موصوفا بهوى في سواك، و لا متهما في أثرة عليك، و لا ظنينا على دخلة مكروهة، و لا منسوبا إلى بدعة محذورة، فيقدح في ملكك، و يربّض الأمور لغيرك، ثم تسند إليه أمورهم، و تفوض إليه حربهم، و تأمره في عهدك و وصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم، و خلاف نهيك إذا خالفه الرأي، عند استحالة الأمور و استدارة الأحوال التي ينقص أمر الغائب عنها، و يثبت رأي الشاهد لها، فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب، و سقط عنه ما يأتي من بعيد، تمت الحيلة، و قويت المكيدة، و نفذ العمل، و أحد النظر إن شاء اللّه.
قال الفضل بن العباس: أيها المهدي، إن وليّ الأمور، و سائس الحروب، ربما نحّى جنوده، و فرّق أمواله، في غير ما ضيق أمر حزبه. و لا ضغطة حال اضطرّته، فيقعد عند الحاجة إليها و يعد التفرقة لها عديما منها، فاقدا لها، لا يثق بقوة، و لا يصول بعدّة، و لا يفزع إلى ثقة. فالرأي لك أيها المهدي وفقك اللّه، أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال، و جنودك من مكابدة الأسفار، و مقارعة الأخطار و تغرير القتال.
و لا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون، و الإعطاء لما يسألون، فيفسد عليك أدبهم، و تجرّئ من رعيتك غيرهم؛ و لكن اغزهم بالحيلة، و قاتلهم بالمكيدة، و صارعهم باللين، و خاتلهم بالرفق [١] ، و أبرق لهم بالقول، و أرعد نحوهم بالفعل، و ابعث البعوث، و جند الجنود و كتّب الكتائب، و اعقد الألوية، و انصب الرايات، و أظهر أنك موجّه إليهم الجيوش مع أحنق [٢] قوادك عليهم، و أسوئهم أثرا فيهم، ثم ادسس الرسل، و ابثث الكتب، وضع بعضهم على طمع من وعدك، و بعضا على خوف من وعيدك، و أوقد بذلك و أشباهه نيران التحاسد فيهم، و اغرس أشجار التنافس بينهم، حتى تملأ القلوب من الوحشة، و تنطوي الصدور على البغضة، و يدخل كلاّ من كلّ الحذر و الهيبة؛ فإن مرام الظفر بالغيلة، و القتال بالحيلة، و المناصبة بالكتب، و المكايدة بالرسل، و المقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب، القوي الموقع من النفوس، المعقود بالحجج، الموصول بالحيل، المبنيّ على اللّين، الذي
[١] خاتلهم: خادعهم.
[٢] احنق: أي أشدّهم حنقا و غضبا.