العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٣ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
قال: نعم أيها المهدي، أنت متسع الرأي، وثيق العقدة قوي المنّة [١] ، بليغ الفطنة، معصوم النية، محضور الرّويّة، مؤيّد البديهة، موفّق العزيمة، معان بالظفر، مهديّ إلى الخير؛ إن هممت ففي عزمك مواقع الظنّ، و إن أجمعت صدع فعلك ملتبس الشك، فاعزم يهد اللّه إلى الصواب قلبك، و قل ينطق اللّه بالحق لسانك، فإن جنودك جمة، و خزائنك عامرة، و نفسك سخية، و أمرك نافذ.
فأجابه المهدي: إن المشاورة و المناظرة بابا رحمة و مفتاحا بركة، لا يهلك عليهما رأي، و لا يتفيّل [٢] معهما حزم؛ فأشيروا برأيكم، و قولوا بما يحضركم؛ فإني من ورائكم، و توفيق اللّه من وراء ذلك.
قال الربيع: أيها المهدي، إنّ تصاريف وجوه الرأي كثيرة، و إن الإشارة ببعض معاريض القول [٣] يسيرة؛ و لكنّ خراسان أرض بعيدة المسافة، متراخية الشّقة، متفاوتة السّبل، فإذا ارتأيت من محكم التّدبير، و مبرم التقدير، و لباب الصواب. رأيا قد أحكمه نظرك، و قلّبه تدبيرك، فليس وراءه مذهب لحجة طاعن، و لا دونه متعلق لخصومة عائب، ثم خبّت [٤] البرد به، و انطوت الرسل عليه. كان بالحرى ألاّ يصل إليهم محكمه إلا و قد حدث منهم ما ينقضه؛ فما أيسر أن ترجع إليك الرسل و ترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم، و شوارد آثارهم، و مصادر أمورهم؛ فتحدث رأيا غيره، و تبتدع تدبيرا سواه، و قد انفرجت الحلق [٥] ، و تحلّلت العقد، و استرخى الحقاب [٦] ، و امتد الزمان. ثم لعلّما موقع الآخرة كمصدر الأولى. و لكن الرأي لك أيها المهدي وفّقك اللّه، أن تصرف إجالة النظر، و تقليب الفكر فيما جمعتنا له و استشرتنا فيه من التدبير لحربهم و الحيل في أمرهم، إلى الطلب لرجل ذي دين
[١] المنّة: القوّة.
[٢] لا يتفيّل: لا يضعف.
[٣] معاريض القول: ما عرض به و لم يصرح، و هي التورية عن الشيء بالشيء.
[٤] خبّت البرد: أسرعت، و البرد: جمع بريد، و هو الرسول.
[٥] الحلق: جمع حلقه.
[٦] الحقاب: شيء تعلّق به المرأة الحليّ و تشده في وسطها.