المحكم والمحيط الأعظم - ابن سيده - الصفحة ٤٩
ويعلم العِذْرَة [١] ، نُبِّه بالبُرْهان من نَشْوَة سِناتِه ، حتى تستقيم قَهْرًا كُعوبُ قَناتِه ، فإنى كما قال زياد الأعجم :
|
وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَوْمٍ |
كَسَرْتُ كُعوبَها أوْ تَسْتَقِيما [٢] |
ولا أُنكر فى كلّ ذلك أن تختلَّ قضية بين خمسة آلاف ، أو حرف بين حروف عَديدة أضعاف ، لأنى أنا الجَوَاد الخَوَّار العِنان ، المخترق للمَيْدان ، فى غير فنّ من الفنون ، واليقينُ قاتل لخوالج الظُّنون ، وذلك أنى أجدُ علم اللُّغة أقلَّ بضائعى ، وأيسرَ صنائعى ، إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حَقيقِ النحو ، وحُوشِىّ العَروض ، وخفىّ القافية ، وتصوير الأشكال المنطقية ، والنظر فى سائر العلوم الجَدَليَّة ، التى يمنعنى من الإخبار بها نُبُوّ طباع أهل الوقت ، وما هم عليه من رَداءة الأوضاع والمَقْت ؛ وإذا كان المنفردون لكتاب اللغة وتَكْميشها ، واحْتطابها وتَقْميشها ، كأبى عُبَيدة والأصمعىّ ، قد غَلِطوا فى بعض ما دَوَّنوا ، فأنا أحْرَى بذلك ، لأن هَؤلاء جاوروُا أهل البادية ، وأطالوا احتلاب الإبِل النادِية ، مع ما كانوا يُتْحفون به فصحاءَ الأعاريب ، من ضروب الأعاجيب ، ويستعملونه معهم من الخِداع ، جَرْيا إلى استدامة الإمتاع ، فكيف بى ولم آلَفْ إلا شُطُوط الأنهار ، ولا أصَخْتُ إلا إلى ناحية التَّيَّار ، بين أُناس لو لا الشكلُ لم تَقْضِ لهم بالإنسانية ، ولو لا الحِسُّ ما حكمتَ عليهم بالحَيَوانية.
ثم إن الأيام عاضَتْنِى من الرَّمْضاء بالنار ، وبدَّلتنى من الصَّدَى شِدةَ الأُوار [٣] ، فأزعجتْنى عن ذلك الوطن الخبيث ، والسَّكن الغَثّ الرَّثيث ، إلى سِباخٍ ذَفِرَة [٤] ، وشُطْآن بحار دَفِرة [٥] ، أوحشِ بلاد الله غُربة ، وأخبثها عنصرين : هواءً وتُرْبة ، ضدّ ما وصفه ذو الرُّمَّة بقوله :
|
بأرْضٍ هِجان اللَّوْنِ وَسْمِيَّة الثَّرَى |
عَذاةٍ نَأَتْ عنها المُئُوجَةُ والبَحْرُ |
|
|
أرْض خَلَعْتُ اللهْوَ خَلْعِىَ خاتَمِى |
فيها ، وطَلَّقتُ السرورَ ثلاثا [٦] |
[١] العِذرة من العُذر.
[٢] البيت لزياد الأعجم فى ديوانه ص ١٠١ ، ولسان العرب ( غمز ).
[٣] الأُوار بالضم : شدة حر الشمس ولفح النار ووهجها والعطش.
[٤] الذَّفَر : النَّتْنُ والصُّنان وخبث الريح.
[٥] الدَّفَر ـ بالدال ـ : النتن أيضًا.
[٦]المأج : الماء الملح ، والبيت لذى الرمة فى ديوانه ص ٥٧٤ ، ولسان العرب ( مأج ) ، ( عذا ) ، ومقاييس اللغة ( ١ / ٢٠٣ ، ٤ / ٢٥٨ ، ٥ / ٢٩٢ ) ؛ وتاج العروس ( مأج ) ، ( عذو ) ؛ وتهذيب اللغة ( ٣ / ١٤٩ ، ٦ / ٥٨ ) ؛ وكتاب العين ( ٢ / ٢٢٩ ، ٣ / ٣٩٢ ) ؛ وأساس البلاغة ( عذو ) ، ( هجن ) ؛ وبلا نسبة فى المخصص ( ٩ / ١٣٧ ).