مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٦ - ١٧ سورة الإسراء
النبي صلى الله عليه و آله بالليل إذا تلا القرآن وصلّى عند الكعبة، وكانوا يرمونه بالحجارة ويمنعونه عن دعاء الناس إلى الدين، فحال اللَّه سبحانه بينه وبينهم حتى لا يؤذوه. وروي- في تفسير الكبير- عن ابن عباس، أنّ أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه و آله ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمّد غير أنّي أرى شفتيه تتحركان بشيء. وقال أبو سفيان: إنّي لأرى بعض ما يقوله حقّاً. وقال أبو جهل: هو مجنون. وقال أبو لهب: هو كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر. فنزلت هذه الآية: «وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ ...».
التّفسير
المغرورون وموانع المعرفة: بعد الآيات السابقة قد يطرح الكثيرون هذا السؤال: رغم وضوح قضية التوحيد بحيث إنّ جميع مخلوقات العالم تشهد بذلك؛ فلماذا- إذن- لا يقبل المشركون هذه الحقيقة ولا ينصاعون للآيات القرآنية بالرغم من سماعهم لها؟
الآيات التي نبحثها يمكن أن تكون جواباً على هذا السؤال، إذ تقول الآية الاولى: «وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا». وهذا الحجاب والساتر هو نفسه التعصب واللجاجة والغرور والجهل، حيث تقوم هذه الصفات بصدّ حقائق القرآن عن أفكارهم وعقولهم ولا تسمح لهم بدرك الحقائق الواضحة مثل التوحيد والمعاد وصدق الرسول في دعوته وغير ذلك.
أمّا الآية التي بعدها فتقول: «وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا». أي:
إنّنا غطّينا قلوبهم بأستار لكي لا يفهموا معناه، وجعلنا في آذانهم ثقلًا. لذلك فإنّهم: «وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا».
ثم يضيف اللَّه تبارك وتعالى مرّة اخرى: «نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ». أي: إنّ اللَّه تعالى يعلم الغرض من استماعهم لكلامك وحضورهم في مجلسك و «إِذْ هُمْ نَجْوَى» يتشاورون ويتناجون «إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا». إذ إنّهم لايأتون إليك من أجل سماع كلامك بقلوبهم وأرواحهم، بل هدفهم هو التخريب، وتصيّد الأخطاء.
الآية الأخيرة خطاب للنبي صلى الله عليه و آله وبالرغم من أنّ عبارة الآية قصيرة، إلّاأنّها كانت قاضية بالنسبة لهذه المجموعة حيث قالت: «انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْامْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا». والآية لا تعني أنّ الطريق غير واضح والحق خاف، بل على أبصارهم غشاوة، وقلوبهم مغلقة دون الإستجابة للحق، وعقولهم معطلة عن الهدى بسبب الجهل والحقد والتعصب والعناد.