مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤ - ١٦ سورة النحل
لا يفلح الكاذبون: بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن النعم الإلهية ومسألة شكر النعمة، تأتي الآيات أعلاه لتتحدث عن آخر حلقات الموضوع وتطرح مسألة المحرمات الواقعية وغير الواقعية لتفصل بين الدين الحق وبين البدع التي احدثت في دين اللَّه، وتشرع بالقول: «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» [١].
إنّ تلوّث هذه المواد الثلاث بات اليوم ليس خافياً على أحد، فالميتة مصدر لأنواع الجراثيم، والدم من أكثر مكوّنات البدن تقبّلًا للتلوّث بالجراثيم، وأمّا لحم الخنزير فيعتبر سبباً للإصابة بالكثير من الأمراض الخطرة.
أمّا فلسفة تحريم ما يذبح لغير اللَّه فليست صحية، بل هي أخلاقية ومعنوية.
فمن جهة يكون التحريم حرباً على الشرك وعبادة الأصنام، ومن جهة اخرى يكون دعوة إلى خالق هذه النعم.
ويستفاد من المحتوى العام للآية والآيات التالية أنّ الإسلام يوصي بالإعتدال في تناول اللحوم، فلا يكون المسلم كالذين حرّموا على أنفسهم تناول اللحم واكتفوا بالأغذية النباتية، ولا كالذين أحلّوا لأنفسهم أكل اللحوم أيّاً كانت كأهل الجاهلية والبعض ممن يدّعي التمدّن في عصرنا الحاضر، ممن يجيزون أكل كل لحم (كالسحالي والسرطان وأنواع الديدان).
وفي نهاية الآية سياقاً مع الأسلوب القرآني، ذُكرت الحالات والموارد الاستثنائية، يقول: «فَمَنِ اضْطُرَّ». كأن يكون في صحراء ولا يملك غذاء؛ «غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
«باغ» أو الباغي: (من البغي) بمعنى «الطلب» ويأتي هنا بمعنى طلب اللذة أو تحليل ما حرّم اللَّه. و «عاد» أو العادي: (من العدو) أي «التجاوز» ويأتي هنا بمعنى أكل المضطر لأكثر من حد الضرورة.
وتأتي الآية التالية لتطرح موضوع تحريم المشركين لبعض اللحوم بلا سبب أو دليل، والذي تطرّق القرآن إليه سابقاً بشكل غير مباشر، فتأتي الآية لتطرحه صراحة حيث
[١] «اهِلّ»: من الإهلال، مأخوذُ من الهلال، بمعنى إعلاء الصوت عند رؤية الهلال، وباعتبار أنّ المشركين كانوا إذا ذبحوا حيواناتهم للأصنام صرخوا عالياً بأسماء أصنامهم، فقد عبّر عنه ب «اهِلَّ».