مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٨ - ٢٨ سورة القصص
فعلى هذا تعدّ الآية آنفة الذكر من الإخبار الإعجازي السابق لوقوعه، إذ أخبر القرآن عن رجوع النبي صلى الله عليه و آله إلى مكة بصورة قطعية ودون أيّ قيد وشرط، ولم تطل المدّة حتى تحقق هذا الوعد الإلهي الكبير.
التّفسير
الوعد بعودة النبي إلى حرم اللَّه الآمن: قلنا: إنّ الآية الاولى من هذه الآيات طبقاً لما هو مشهور بين المفسرين نزلت في «الجحفة» في مسير النبي صلى الله عليه و آله، إلى المدينة إذ كان متوجهاً إلى يثرب لتتحول بوجوده إلى «مدينة الرسول» ... لكن هذا الحنين والشوق والتعلق بمكة يؤلمه كثيراً، وليس من اليسير عليه الإبتعاد عن حرم اللَّه الآمن.
وهنا يشرق في قلبه الطاهر نور الوحي، ويبشّره بالعودة إلى وطنه الذي ألفه فيقول: «إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ». فلا تكترث ولا تُذهب نفسك حسرات، فاللَّه الذي أعاد موسى إلى امّه هو الذي أرجعه أيضاً إلى وطنه بعد غياب عشر سنوات في مدين.
هو اللَّه سبحانه الذي يردك إلى مكة بكل قوة وقدرة، ويجعل مصباح التوحيد على يدك مشرقاً في هذه الأرض المباركة.
ثم يضيف القرآن في خطابه للنبي صلى الله عليه و آله، أن يجيب على المخالفين الضالين بما علّمه اللَّه: «قُلْ رَّبّى أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِى ضَللٍ مُّبِينٍ».
إنّ طريق الهداية واضح، وضلالهم بيّن، وهم يتعبون أنفسهم عبثاً، فاللَّه يعرف ذلك جيداً، والقلوب التي تعشق الحق تعرف هذه الحقيقة أيضاً.
أمّا الآية التالية فتتحدث عن نعمة اخرى من نعم اللَّه العظيمة على النبي صلى الله عليه و آله فتقول: «وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبّكَ».
ثم يضيف القرآن في خطابه للنبي صلى الله عليه و آله أن طالما كنت في هذه النعمة: «فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لّلْكفِرِينَ».
ومن المسلّم به أنّ النبي صلى الله عليه و آله لم يكن ظهيراً للكافرين أبداً، إلّاأنّ الآية جاءت في مقام التأكيد على النبي صلى الله عليه و آله وبيان المسؤولية للآخرين.
وفي هاتين الآيتين أربعة أوامر من اللَّه لنبيّه صلى الله عليه و آله، وأربعة صفات للَّهتعالى، وبها يكتمل ما ورد في هذه السورة من أبحاث.
يقول أوّلًا: «وَلَا يَصُدَّنَّكَ عَن ءَايتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ