مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٥ - ٢٧ سورة النّمل
كفرعون)، لابدّ له من قوة ظاهرية وباطنية وسند على حقانيّته ... فلذا أمر موسى بأن يلقي عصاه: «وَأَلْقِ عَصَاكَ».
فألقى موسى عصاه، فتبدلت ثعباناً عظيماً، فلمّا رآه موسى يتحرك بسرعة كما تتحرك الحيّات الصغار خاف وولّى هارباً ولم يلتفت إلى الوراء: «فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقّبْ».
وهنا خوطب موسى مرّة اخرى أن «يمُوسَى لَاتَخَفْ إِنّى لَايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ».
ومعنى الآية: أن يا موسى إنّك بين يدي خالق الوجود العظيم، والحضور عنده ملازم للأمن المطلق.
إلّا أنّ في الآية التالية استثناءاً للجملة السابقة، حيث ذكره القرآن فقال: «إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
أمّا المعجزة الثانية التي أمر موسى أن يظهرها، فهي اليد البيضاء، إذ تقول الآية: «وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ».
والقيد «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» إشارة إلى أنّ بياض اليد ليس من برص ونحوه، بل هو بياض نوراني يلفت النظر، وهو بنفسه كاشف عن إعجاز وأمر خارق للعادة.
ومن أجل أن يظهر اللَّه تعالى عنايته ولطفه لموسى أكثر، وكذلك منح الفرصة للمنحرفين للهداية أكثر، قال لموسى بأنّ معاجزه ليست منحصرة بالمعجزتين الآنفتين، بل «فِى تِسْعِ ءَايتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فسِقِينَ».
ويستفاد من ظاهر الآية أنّ هاتين المعجزتين من مجموع تسع معاجز «آيات» موسى المعروفة.
وأخيراً تعبّأ موسى بأقوى سلاح- من المعاجز- فجاء إلى فرعون وقومه يدعوهم إلى الحق، كما يصرح القرآن بذلك في آية التالية: «فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ».
و معلوم أنّ هذا الإتهام «بالسحر» لم يكن خاصاً بموسى عليه السلام، بل اتخذه المعاندون ذريعة بوجه الأنبياء، ليجعلوه سدّاً في طريق الآخرين، والإتهام بنفسه دليل واضح على عظمة ما يصدر من الأنبياء خارقاً للعادة، بحيث اتّهموه بالسحر.
ومما يلفت النظر أنّ القرآن يضيف في آخر الآية- محل البحث- قائلًا: إنّ هذا الإتهام لم