مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٩ - ٢٦ سورة الشّعراء
الواردة في هذه السورة، وهي قصة شعيب عليه السلام وقومه المعاندين.
كان هذا النبي يقطن في «مدين»، وهي مدينة تقع جنوب الشامات.
تقول الآية الاولى من الآيات محل البحث: «كَذَّبَ أَصْحبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ».
«أيكة»: على وزن (ليلة)، قرية أو أرض معمورة على مقربة من مدين.
ثم يتحدث القرآن إجمالًا عن شعيب عليه السلام وعنهم فيقول: «إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ».
إنّ دعوة شعيب عليه السلام انطلقت من النقطة التي ابتدأها سائر الأنبياء، وهي التقوى ومخافة اللَّه التي تعدّ أساس المناهج الإصلاحية والتغييرات الأخلاقية والاجتماعية جمعاء.
ثم أضاف شعيب قائلًا: «إِنّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ». فطاعتكم لي طاعة للَّه.
واعلموا أنّي أبتغي ثوابه ووجهه، «وَمَا أَسَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبّ الْعَالَمِينَ».
و «شعيب» كسائر الأنبياء الذين ورد جانب من تأريخ حياتهم في هذه السورة، فهو يدعو قومه بعد الدعوة العامّة للتقوى وطاعة اللَّه، إلى إصلاح انحرافاتهم الأخلاقية والاجتماعية وينتقدهم على هذه الإنحرافات، وحيث إنّ أهم انحراف عند قومه كان الاضطراب الاقتصادي، والاستثمار والظلم الفاحش في الأثمان والسلع، والتطفيف في الكيل، لذلك فقد اهتم بهذه المسائل أكثر من غيرها، وقال لهم: «أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ* وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ».
«تبخسوا»: مأخوذة من «البخس» وهو في الأصل النقص ظلماً من حقوق الناس ... وقد يأتي أحياناً بمعنى الغش أو التلاعب المنتهي إلى تضييع حقوق الآخرين ... فبناء على ما تقدم، فإنّ الجملة الآنفة «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ» لها معنى واسع يشمل جميع أنواع الغش والتزوير والتضليل، والتلاعب في المعاملات، وغمط حقوق الآخرين.
وأمّا جملة «وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ» فمعناه واسع أيضاً، إذ يشمل بالإضافة إلى البخس والتطفيف كل ما من شأنه أن يكون سبباً للخسارة وإيذاء الطرف الآخر في المعاملة.
ثم إنّ «شعيباً» في آخر تعليماته- في هذا القسم- يدعوهم مرد اخرى إلى تقوى اللَّه فيقول: «وَاتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ».