مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢١ - ٢٦ سورة الشّعراء
والإستعباد، ليتحرروا ويأتوا مع موسى وهارون، وليس المراد هو إرسال بني إسرائيل معهما فحسب.
وهنا يلتفت فرعون فيتكلم بكلمات مدروسة وممزوجة بالخبث والشيطنة لينفي الرسالة ويقول لموسى: «أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيدًا ...». إذْ التقطناك من أمواج النيل الهادرة فانقذناك من الهلاك، وهيّأنا لك مرضعة، وعفونا عن الحكم الصادر في قتل أبناء بني إسرائيل الذي كنت مشمولًا به، فتربّيت في محيط هادىء آمن منعّماً ... وبعد أن تربيت في بيتنا عشت زماناً «وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ».
ثم توجه إلى موسى وذكره بموضوع قتل القبطي فقال: «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ».
ثم بعد هذا كلّه: «وَأَنتَ مِنَ الْكفِرِينَ».
وعندما سمع موسى كلمات فرعون الممزوجة بالخبث والشيطنة أجاب على إشكالات فرعون الثلاثة، إلّاأنّه قدّم الإجابة على الإشكال الثاني نظراً لأهميته. (أو أنّه أساساً لم يجد الإشكال الأوّل يستحق الإجابة، لأنّ تربية الشخص لا تكون دليلًا على عدم جواز هداية مربّيه إن كان المربي ضالًا، ليسلك سبيل الرشاد) وأجابه موسى عليه السلام: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالّينَ».
إنّ موسى عليه السلام استخدم التورية في تعبيره جواباً على كلام فرعون، فقال كلاماً ظاهره أنّه لم يعرف طريق الحق في ذلك الزمان ... لكن اللَّه عرّفه إيّاه بعدئذ، ووهب له حكماً- فجعله من المرسلين، إلّاأنّه كان يقصد في الباطن أنّه لم يدر أن عمله حينئذ سيؤدّي إلى هذه النتيجة من الجهد والعناء واضطراب البال- مع أنّ أصل عمله كان حقاً ومطابقاً لقانون العدالة.
ثم يضيف موسى قائلًا: «فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ».
ثم يردّ موسى عليه السلام على كلام فرعون الذي يمنّ به عليه في أنّه ربّاه وتعهده منذ طفولته وصباه، معترضاً عليه بلحن قاطع فيقول: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَاءِيلَ».
حتى أمرت أن يُقتل الأطفال الذكور وتستحيا النساء للخدمة.
فهذا الظالم المفرط من قبلك، كان سبباً لأن تضعني امي في الصندوق حفاظاً علي، وتلقيني في أمواج النيل، وكانت مشيئة اللَّه أن تسوق الأمواج «زورقي» الصغير حتى توصله إلى قصرك ... أجل إنّ ظلمك الفاحش هو الذي جعلني رهين منّتك وحرمني من بيت أبي الكريم، وصيرني في قصرك الملوّث ...