مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٧ - ٢٦ سورة الشّعراء
وتتحرك الآية التالية لتُسرّي عن قلب النبي صلى الله عليه و آله وتثبته فتقول: «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». «باخع»:
مشتقة من «البَخْع»، ومعناه إهلاك النفس من شدة الغمّ.
أجل، كان جميع الأنبياء على هذه الشاكلة من الإشفاق على اممهم ولا سيما الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله الذي ورد في شأنه هذا التعبير القرآني أكثر من مرّة ...
قال بعض المفسرين: إنّ سبب نزول الآية الآنفة الذكر هو أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يدعو أهل مكة إلى توحيد اللَّه باستمرار، إلّاأنّهم لم يؤمنوا، فأسف النبي وتأثر تأثراً بالغاً حتى بدت أماراته في وجهه، فنزلت الآية آنفة الذكر لتسرّي عن قلب النبي صلى الله عليه و آله [١].
ولبيان أنّ اللَّه على كل شيء قدير حتى أنّه يستطيع أن يسوقهم إلى الإيمان به سوقاً ويضطرّهم إلى ذلك، فإنّ الآية التالية تقول: «إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِم مّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ».
وهي إشارة إلى أنّ اللَّه قادر على إنزال معجزة مذهلة- من السماء- أو أن يرسل عليهم عذاباً شديداً فيذعنوا له، ويطأطئوا برؤوسهم خضوعاً له، ويستسلموا لأمره وحكمه، إلّاأنّ الإيمان بإكراه لا قيمة له. فالمهم أن يخضعوا للحق عن إرادة ووعي وإدراك وتفكر.
ثم يتحدث القرآن عن مواقف المشركين والكفار من آيات القرآن فيقول: «وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ».
والتعبير ب «الرّحمن» إشارة إلى أنّ نزول هذه الآيات من قبل اللَّه إنّما هو من رحمته العامة، إذ تدعو جميع الناس دون استثناء إلى السعادة والكمال.
والتعبير ب «محدث»- أي جديد- إشارة إلى أنّ آيات القرآن تنزل واحدةً تلو الاخرى، وكل منها ذو محتوى جديد.
ثم يضيف القرآن: أنّ هؤلاء لا يقفون عند حدود الإعراض، بل يتجاوزون إلى مرحلة التكذيب، بل إلى أشدّ منه ليصلوا إلى الإستهزاء به، فيقول: «فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ». «الأنباء»: جمع «انبأ»، أي الخبر المهم، والمراد من هذه الكلمة ما سيصيبهم من العقاب الشديد الدنيوي والأخروي.
والتحقيق في هذه الآية والآية السابقة يكشف أنّ الإنسان حين ينحرف عن الجادة المستقيمة فإنّه يفصل نفسه عن الحق- بشكل مستمر.
[١] تفسير روح الجنان ٨/ ٣٢٤.