مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٦ - ٢٥ سورة الفرقان
لكن القرآن يردّ عليهم في جملة واحدة فقط، تلك هي: «فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا» [١].
«الظلم» هنا لأنّ رجلًا أميناً طاهراً وصادقاً مثل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله اتّهموه بالكذب والإفتراء على اللَّه، وبالإشتراك مع جماعة من أهل الكتاب، فظلموا أنفسهم والناس أيضاً. و «الزور» هنا أنّ قولهم لم يكن له أساس مطلقاً، لأنّ النبي صلى الله عليه و آله دعاهم عدّة مرات إلى الإتيان بسورة وآيات مثل القرآن، فعجزوا وضعفوا أمام هذا التحدي.
كلمة «زور» في الأصل من «زَور» (على وزن غور) أخذت بمعنى: أعلى الصدر، ثم أطلقت على كل شيء يتمايل عن حدّ الوسط، وبما أنّ «الكذب» انحرف عن الحق، ومال إلى الباطل، فقد سمّوه «زوراً».
تتناول الآية التالية لوناً آخر من التحليلات المنحرفة والحجج الواهية للمشركين فيما يتعلق بالقرآن، فتقول: «وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا» [٢].
وهو يستلهمها من الآخرين طيلة اليوم من أجل الوصول إلى هذا الهدف: «فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا».
إنّه يتلقى المعونة لأجل هدفه في الأوقات التي يقلّ فيها تواجد الناس، أي بكرة وعشياً.
لذا فالآية الأخيرة تصرح بصيغة الرد على هذه الإتهامات الواهية، فتقول: «قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السّرَّ فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ».
إشارة إلى أنّ محتوى هذا الكتاب، والأسرار المتنوعة فيه من علوم ومعارف وتاريخ الأقوام الأوّلين، والقوانين والاحتياجات البشرية، وحتى أسرار عالم الطبيعة والأخبار المستقبلية، تدل على أن ليس من صنع ومتناول عقل البشر، ولم ينظّم بمساعدة هذا أو ذاك، بل بعلم الذي هو جدير بأسرار السماء والأرض، والمحيط بكل شيء علماً.
لكن مع كل هذا، فإنّ القرآن يترك طريق التوبة مفتوحاً أمام هؤلاء المغرضين والمنحرفين، فيقول تبارك وتعالى في ختام الآية: «إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا».
فبمقتضى رحمته أرسل الأنبياء، وأنزل الكتب السماوية، وبمقتضى غفوريته سيعفو في ظل الإيمان والتوبة عن ذنوبكم التي لا تحصى.
[١] «جاءو»: من مادة «مجيء»، يراد بها عادة معنى «القدوم»، لكنّها وردت هنا بمعنى «الإتيان».
[٢] ففي الواقع إنّ أولئك كانوا يريدون أن يتهموا النبي صلى الله عليه و آله من هذا الطريق، بأنّه يقرأ ويكتب، لكنّه كان يظهر نفسه أمياً عمداً.