مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٠ - ٢٤ سورة النّور
وفي الحقيقة إنّ هذا من شروط النظم والتنظيم ولا يمكن لأية مجموعة منظمة منسجمة أن تهمله، فغياب شخص واحد قد تترتب عليه صعوبات ويلحق ضرراً بالهدف النهائي، فإذا وجد القائد أنّ غياب هذا الشخص يلحق ضرراً، فمن حقه أن لا يأذن له، وعليه أن يضحي بمصلحته من أجل هدف أسمى، لهذا تضيف الآية: «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتْذِنُونَكَ أُوْلئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ».
وتقول الآية في الختام: «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
تبيّن هذه العبارة ضرورة عدم الإستئذان بالقدر الممكن، واتباع التضحية والإيثار حتى لا يتورطوا بارتكاب عمل تركه أولى كمغادرة الجماعة لعمل بسيط.
ومن الطبيعي أن لا تخصّ هذه التعاليم التنظيمية الرسول صلى الله عليه و آله وأصحابه فقط، وإنّما هي واجبة الإتباع إزاء كل قائد إلهي، سواء كان نبياً أم إماماً أم عالماً نائباً لهما، حيث يتوقف مصير المسلمين على هذه الطاعة، كما يحتمه- إضافة إلى القرآن- العقل والمنطق.
ثم بيّنت الآية التالية حكماً آخر له علاقة بتعاليم النبي صلى الله عليه و آله حيث تقول: «لَّاتَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا».
إن الرسول صلى الله عليه و آله عندما يدعوكم للاجتماع، فإنّه لابدّ من أن يكون لمسألة إلهية مهمة، لهذا يجب عليكم الإهتمام بدعوته، والإلتزام بتعاليمه، وألّا تهملوها، فأمره من اللَّه ودعوته منه سبحانه وتعالى.
ثم تضيف الآية: «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
«يتسلّلون»: مشتقة من «تسلل»، وتعني سحب الشيء من موضعه، كما يطلق على الذين يفرون سرّاً من مكان تجمع محدد لهم، كلمة «متسللون».
«لواذاً»: مشتقة من «ملاوذة» بمعنى الإختفاء، وتعني هنا اختفاء البعض وراء البعض أو خلف جدار. أو بتعبير آخر:
استغفال الآخرين ثم الفرار من مكان تجمعهم، وهذا ما كان يقوم به المنافقون حينما يوجه الرسول صلى الله عليه و آله الدعوة للجهاد أو لأمر مهم آخر.
و آخر آية من الآيات موضع البحث- والتي هي آخر سورة النور- إشارة بليغة إلى قضية المبدأ والمعاد حيث تقول: «أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ».
فإنّ اللَّه العالم بكل شيء، «قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ». أي: يعلم اسلوبكم في التعامل