مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨ - ١٦ سورة النحل
وهي من الخفّة بحيث «تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ- أي: رحيلكم- وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ».
بل وجعل لكم: «وَمِن أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ».
فاستعمال المصطلحين «أَثَاثًا وَمَتَاعًا» على التوالي يمكن أن يشير إلى هذا المعنى: إنّكم تستطيعون أن تهيئوا من أصوافها وأوبارها وأشعارها وسائل بيتية كثيرة تتمتعون بها.
الظلال، المساكن، الأغطية: ويشير القرآن الكريم إلى نعمة اخرى بقوله: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِللًا وَجَعَلَ لَكُم مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا».
«الأكنان»: جمع (كن) بمعنى وسائل التغطية والحفظ، ولهذا فقد اطلقت على المغارات وأماكن الإختفاء وفي الجبال.
وكأنّ ذكر نعمة «الظلال» و «أكنان الجبال» بعد ذكر نعمة «المسكن» و «الخيام» في الآية السابقة، للإشارة إلى أنّ طوائف الناس لا تخرج عن إحدى ثلاثة ... واحدة تعيش في المدن والقرى وتستفيد من بناء البيوت لسكناها، واخرى تعيش الترحال والتنقل فتحمل معها الخيام، وثالثة اولئك الذين يسافرون وليس معهم مستلزمات المأوى ... ولم يترك الباري جلّ شأنه المجموعة الثالثه تعيش حالة الحيرة من أمرها، بل في طريقهم الظلال والمغارات لتقيهم. وبعد ذكر القرآن الكريم لنعمة الظلال الطبيعية والصناعية، ينتقل لذكر ملابس الإنسان فيقول: «وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ»، وثمّة ألبسة اخرى تستعمل لحفظ أبدانكم في الحروب «وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ».
«السرابيل»: جمع «سربال» بمعنى الثوب من أيّ جنس كان.
فإنّ فائدة الألبسة لا تنحصر في حفظ الإنسان من الحر والبرد، بل تُلبس الإنسان ثوب الكرامة وتقي بدنه من الأخطار الموجّهة إليه.
وفي ذيل الآية يقول القرآن مذكّراً: «كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ». أي:
تطيعون أمره.
وطبيعي جدّاً أن يفكر الإنسان بخالق النعم، خصوصاً عند تنبّهه للنعم المختلفة التي تحيط بوجوده.
وبعد ذكر هذه النعم الجليلة، يقول عزّ وجلّ أنّهم لو اعرضوا ولم يسلموا للحق فلا تحزن ولا تقلق، لأنّ وظيفتك ابلاغهم: «فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلغُ الْمُبِينُ».