مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٣ - ٢٣ سورة المؤمنون
وفي المرحلة الثالثة تقول الآية: «أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ». أي: إذا كانت هذه الدعوة صادرة من شخص مجهول ومشكوك، فيحتمل أن يقولوا بأنّ كلامه حق، إلّاأنّ هذا الرجل مشكوك وغير معروف لدينا، فيحتمل أن نُخدع بكلامه، ولكنّهم يعرفون ماضيك جيّداً، وكانوا يدعونك محمّداً الأمين، ويعترفون بعقلك وعلمك وأمانك، ويعرفون جيّداً والديك وقبيلتك، فلا حجة لهم.
وفي المرحلة الرابعة تقول الآية: «أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ». أي إنّه مجنون، فبعد إعترافهم بأنّك لست مجهولًا بالنسبة لهم، إلّاأنّهم يشكّكون في سلامة عقلك وينسبونك إلى الجنون، لأنّ ما تدعو إليه لا ينسجم مع عقائدهم، فلذلك اتّخذوا هذا دليلًا على جنونك.
يقول القرآن المجيد لنفي هذه الحجة: «بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقّ». وكلامه شاهد على هذه الحقيقة، ويضيف: «وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كرِهُونَ».
أجل، إنّ كلمات الرسول راشدة حكيمة، إلّاأنّهم ينكرونها لعدم إنسجامها مع أهوائهم النفسية، فألصقوا به تهمة الجنون في الوقت الذي لا ضرورة في توافق الحق مع رغبات الناس: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّموَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ».
لأنّه لا يوجد مقياس يحدّد أهواء الناس، مضافاً إلى أنّها تميل إلى الشر والفساد غالباً.
وتأكيداً لذلك تقول الآية: «بَلْ أَتَيْنهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ». أي: منحناهم القرآن الذي هو أساس للذكر والتوجه إلى اللَّه، وسبب لرفعتهم وشرفهم، إلّاأنّهم أعرضوا عن هذا المنار الذي يُضيء لهم درب السعادة والشرف.
وفي المرحلة الخامسة تقول الآية: هل أنّ عذرهم في فرارهم من الحق هو أنّك تريد منهم أجراً على دعوتك: «أَمْ تَسَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».
والقرآن الكريم بإيضاحه هذه المراحل الخمس برهن على أنّ هؤلاء الحمقى (المشركين) لا يرضخون للحق، وأنّ أعذارهم في إنكار الحق أعذار واهية.
وجاءت الآية التالية باستنتاج عام لكل ما مضى: «وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ».
ورغم أنّ الروايات الإسلامية تفسّر الصراط المستقيم بولاية علي عليه السلام، إلّاأنّها تكشف عن المصداق الأكمل لذلك، ولا تتنافي مع المصاديق الاخرى كالقرآن والإيمان بالمبدأ والمعاد والتقوى والجهاد والعدل.